من قمة نيس إلى نهر النيل.. البلاستيك يهدد الحياة

الساقية برس ـ إخلاص نمر:
حين يتحول المرعى إلى فخٍّ بلاستيكي..
لم تكن حمدية تتوقع أن ينتهي يومها بخسارة قاسية، عشرة رؤوس من الماعز سقطت واحدًا تلو الآخر بعد أن ابتلعت أكياسًا بلاستيكية متناثرة في المرعى، لم يكن الجفاف، ولا المرض، ولا حتى هجوم حيوان مفترس، بل مخلفات صنعها الإنسان ووصلت إلى حقل الرعي.
سؤال واحد ظل معلقًا فوق المشهد:
كيف تتحول مادة خفيفة تُستخدم يوميًا إلى سبب في الموت البطيء للحيوان والبيئة والإنسان؟
من هذه اللحظة، تبدأ رحلة البلاستيك… من قاعات المؤتمرات الدولية إلى شواطئ النيل وحقول السودان، ومن المحيطات إلى أجساد البشر.

ناقوس الخطر ..
في مدينة نيس الفرنسية، وفي الفترة من 9-13يونيو2025، انعقد مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للمحيطات، بمشاركة رؤساء دول ومنظمات دولية وخبراء في مجال البيئة والبحار ، في محاولة لتعزيز الجهود الدولية ،لحماية المحيطات والموارد البحرية ،وتحقيق الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة ،المتعلق بالحفاظ على الحياة تحت الماء ،والاستخدام المستدام للبحار والمحيطات. بدا العالم وكأنه يعيد اكتشاف خطورة ما صنعه بنفسه.
وفي قلب النقاش، أعلنت مؤسسات تمويل أوروبية عن استثمار 3.4 مليار دولار بحلول عام 2030 لمكافحة التلوث البلاستيكي، ضمن مبادرات تستهدف الحد من النفايات البحرية وتطوير حلول مبتكرة.

لكن خلف الأرقام الكبيرة، كان التحذير الأهم يأتي من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وصف ما يحدث في المحيطات بأنه نتيجة “الجشع”، محذرًا من أن المحيطات “تحت الحصار”، وأن التلوث والصيد الجائر وتغير المناخ يدفعها نحو الانهيار.
وفي رسالة بمناسبة اليوم العالمي للبيئة 5يونيو 2025، أكد أن التلوث البلاستيكي “يخنق الكوكب”، ويتسلل إلى كل مكان من قمة إيفرست إلى أعماق المحيط، ومن التربة إلى أجساد البشر، وحتى “حليب الأمهات”. موضحا أن النفايات البلاستيكية ،تتفكك إلى أجزاء صغيرة وصغيرة جدا.
المايكروبلاستيك… العدو غير المرئي
ما لا يُرى بالعين أصبح أخطر مما يُرى. فالبلاستيك لا يختفي، بل يتحلل إلى جزيئات دقيقة تُعرف بالمايكروبلاستيك، يقل حجمها عن 5 ملم، لتبدأ رحلة جديدة أكثر خطورة من الشكل الأصلي.

لماذا البلاستيك؟
يؤكد البروفسور طه هارون ،الامين العام لمنظمة الهشاب للتنمية الريفية،والناشط في مجال التنمية المستدامة،أن المشكلة ليست في مادة البلاستيك فقط وانما في طريقة التعامل معها ،موضحا أن البلاستيك ،أصبح مادة واسعة الاستخدام ،بسبب مميزاته من حيث خفة الوزن ،المتانة،ومقاومة التآكل وانخفاض التكلفة .
وعن الحلول الممكنة يقول هارون (لابد من البحث عن بدائل ،وتطوير نموذج اقتصادي دائري للبلاستيك).
في السودان يمثل البلاستيك جزءا من الاستخدام اليومي في الأسواق والمنازل ، لذلك فإن الانتقال الى بدائل أكثر استدامة يحتاج إلى تعاون الجهات الحكومية والقطاع الصناعي والمستهلكين،وهنا يبرز مصنع ايكو انديستري لمنتجات البلاستيك البيئي كواحد من الحلول للتخلص من الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام.

ويوضح الباشمهندس ميمان عبد الماجد المرضي مالك المصنع، أن إنتاج المصنع من الأكياس صديقة البيئة ،هي محاولة لتقديم البدائل مع المساهمة الواعية في بيئة افضل وتنمية مستدامة،لكن الحرب التي يدور رحاها منذ العام 2023 في السودان ، أدت إلى تدمير المصنع تماما ولم تبق الا اللافتة التي تحمل اسمه.

وفي تجربة ربما كانت هي الأقرب لإنتاج مصنع ايكو انديستري وكقاسم مشترك هو الحفاظ على البيئة،أطلق والي ولاية القضارف في شرق السودان ، في العام 2017 قانونا يمنع استخدام الأكياس البلاستيكية، لكن التجربة رغم نجاحها في بدايتها واجهت العديد من التحديات ،أبرزها نقص البدائل ،ارتفاع تكلفة البدائل نفسها ،ضعف الرقابة،تسرب اكياس البلاستيك من ولايات أخرى ،ما أدى لتراجع فعالية التطبيق .
تحذيرات
جهود مجتمعية كثيرة تحذر من استخدام أكياس البلاستيك في السودان، وتنادي بتشريعات وحلول عاجلة ،خاصة النساء اللاتي يعتمدن في كسب سبل عيشهن على الرعي ، فقصة حمدية التي فقدت عشرة من رؤوس الماشية في مرعاها ،تدق جرس التنبيه والالتفات لهذه الأكياس،التي تتحول الى فخ قاتل داخل الجهاز الهضمي للحيوان،
فالبلاستيك قد يبدو في شكله مجرد كيس خفيف الاستخدام ،أو كأس يستخدم مرة واحدة،لكن في دورته الكاملة يتحول الى سلسلة من التهديدات ،في الماء والتربة والهواء واجساد الكائنات الحية.
مخاوف صحية..
وتشير دراسة منشورة في Nature Medicine في العام 2024 – وهي مجلة طبية مرموقة ومحكمة علميا تابعة لمجموعة NaturePort folio و تأسست عام 1995- تشير الدراسة إلى وجود تراكم متزايد للجزيئات البلاستيكية الدقيقة ،في أنسجة الإنسان ،بما في ذلك الدماغ والمشيمة،ما يعزز المخاوف بشأن تأثيراتها الصحية طويلة المدى.

وهنا توضح الدكتورة احسان فقيري استشارية أمراض الدم ،أن المايكروبلاستيك اصبح موجودا حول الإنسان ،نتيجة التلوث البيئ،مشيرة إلى أن تعرض الأكياس البلاستيكية للحرارة،قد يؤدي إلى إطلاق جسيمات دقيقة،يمكن أن تدخل جسم الانسان عبر الهواء اوالغذاء وتضيف قائلة (أن هذه الجسيمات يمكن أن تصل إلى الدم ،وبعض أعضاء الجسم ،وقد يكون لها تأثير على المدى الطويل ،بما في ذلك احتمالية تأثيرها على الجينات الوراثية، الأمر الذي يستدعي مزيدا من البحث والاهتمام بالحد من مصادر التعرض ).

بيد أن الدكتور أحمد زيدان استشاري جراحة المخ والأعصاب، يرى أن الدراسات المتعلقة بتأثير المايكروبلاستيك على الدماغ ،مازالت في مرحلة البحث،وتعتمد الان على الفرضيات الاحتمالات والملاحظات، مشددا على الحاجة إلى دراسات طويلة وعميقة للوصول إلى نتائج اكثر حسما .

و تنادي الدكتورة رؤى أبو هريرة استشارية النساء والولادة، بضرورة تجنب استخدام البلاستيك الردىء،وحماية الاطفال من التعرض للمواد البلاستيكية الضارة ، وتضيف قائلة ( بعض الأبحاث أشارت إلى إمكانية عبور المايكروبلاستيك المشيمة ووصوله إلى دم الجنين وكذلك انتقاله إلى حليب الأم). والبلاستيك يمثل جزءًا من تفاصيل الحياة اليوميةفي السودان، فهو لم يعد مجرد نفايات عابرة، بل أصبح جزءًا من المشهد اليومي في المدن والقرى والمراعي.
النيل شريان حياة ..
تعتمد العديد من المجتمعات التي تعيش على ضفاف نهر النيل في السودان، على صيد الأسماك كمصدر رئيسي لكسب العيش اليومي، وتوفير الغذاء والدخل للأسر. ويشكل النيل شريان حياة لهذه المجتمعات، إذ ترتبط به أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية بشكل وثيق، ما يجعل أي تهديد للبيئة المائية، بما في ذلك التلوث بالنفايات البلاستيكية، تهديداً مباشراً لسبل عيش الصيادين وأمنهم الغذائي.

أصبح الخوف يدب في نفوس الصيادين، ووجدوا أن شباكهم لم تعد تحمل الاسماك ،بل نفايات وأكياس بلاستيكية وهذا ما أكده الصياد صبري خضر الشفيع موضحا أن الأكياس البلاستيكية أصبحت جزءا من مشهد الصيد اليومي ،مايعكس حجم التلوث في المياه،لكنه أشار إلى أن ليست كل الأسماك تأكل البلاستيك،فهناك انواع تعتمد على الطحالب ،بينما الأسماك اللاحمة ، تبتلع اي شيء يتحرك في الماء،عكس الأسماك العشبية.
حساء البلاستيك الأول..
في مواجهة تراكم المخلفات البلاستيكية في نهر النيل ، أطلقت منظمة قو قرين سودان – منظمة طوعية تعمل في مجال التوعية البيئية والتنمية المستدامة- أطلقت حملة (حساء البلاستيك الاول) التي استهدفت تنظيف نهر النيل من المخلفات البلاستيكية، بدأت الحملة من شاطيء توتي شمال الخرطوم.
وهنا يقول عضو المنظمة الدكتور احمد ادريس (انطلقت الحملة من جزيرة توتي ،باستخدام مراكب مزودة بشباك لجمع النفايات البلاستيكية من المياه قبل نقله الى مراكز الفرز والتدوير ) .
وتحذر المنظمة من أن الخطر الحقيقي يبدأ،عندما يتحول البلاستيك إلى مايكرو بلاستيك ،حيث يصبح غير مرئي وغير قابل للإزالة بالطرق التقليدية.
إن نهر النيل يندرج في المرتبة الخامسة عالميا ،ضمن أكثر الأنهار تلوثا بالنفايات البلاستيكية ،خاصة وأن المسوحات الأولية ،أوضحت أن المجتمعات حول النيل تساهم في تلوثه بالبلاستيك، واضاف ادريس قائلا ( هذا يهدد شريان الحياة الرئيس والمنظومة البيئية والسياحية في المنطقة). وأردف ( لقد هدفت الحملة إلى نشر الوعي المجتمعي ،نحو استدامة الموارد الطبيعية ،وبدأت في شواطيء حي توتي المعروف على ضفة النيل شمال الخرطوم).

حماية استباقية..
وخلص ادريس إلى أن تنظيف النيل من الزجاجات البلاستيكية هو حماية استباقية للمستقبل ،مبينا أن تكلفة إزالة طن واحد من البلاستيك الطافي ،أقل بآلاف المرات من تكلفة معالجة المياه والتربة والصحة العامة،إذا تحول هذا الطن إلى جزيئات مايكروسكوبية ،لا ترى بالعين المجردة .
ويعتبر نهر النيل ،اطول نهر في العالم،ويغطي حوضه 11دولة بما في ذلك مصر والسودان وإثيوبيا وكينيا ،قبل أن يصب في البحر الأبيض المتوسط ،ويبلغ طوله 6650 كلم ويتدفق عبر قارة أفريقيا .
وفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لعام 2017، يعمل نحو 13686في صيد الاسماك في السودان ، وتشكل النساء 11%، وتشير هذه الأرقام إلى إحصاءات قديمة نسبياً (2017)، وذلك إلى عدم توفر بيانات وطنية حديثة وشاملة عن أعداد الصيادين في السودان، خاصة في ظل تداعيات الحرب منذ عام 2023.

تهديد السلسلة الغذائية ..
ويبين الدكتور مأمون الصادق ،الباحث في مجال الثروة السمكية، تناول الإنسان للأسماك الملوثة بالجسيمات البلاستيكية قائلا(الجسيمات البلاستيكية الدقيقة،تهديدا حقيقيا لصحة الإنسان عند تناوله لحوم الأسماك الملوثة بهذه المواد البلاستيكية) مؤكدا أن نهر النيل وروافده والبحر الاحمر،ليست بمنأى عن التلوث فالبلاستيك يتحلل بمرور الوقت إلى جزيئات متناهية الصغر وهي اللدائن ،وتتناول الأسماك هذه الحبيبات ،التي تتراكم في العضلات والأنسجة،وعند تناول الإنسان لهذه الأسماك ،تنتقل الملوثات لجسم الانسان ،الأمر الذي يؤثر على صحته ).
ولكن للدكتور الصادق أرباب الاستاذ المشارك في جامعة بحري ،كلية الموارد الطبيعية والدراسات البيئية، رأيا مختلفا ،إذ يشير إلى أن التجارب والدراسات البيئية ،أثبتت عدم وجود تراكم لسميات البلاستيك على لحوم الأسماك ،ويستدرك (توجد السميات في أحشاء الاسماك ،والإنسان لا يتناول أحشاء الاسماك في غذائه ).
موارد نافعة ..
يمكن أن يتحول البلاستيك من نفايات ملوِّثة إلى مورد اقتصادي، يساهم في إنتاج مواد ومنتجات جديدة، ويوفر فرص عمل، ويقلل الضغط على الموارد الطبيعية، ويجعل من النفايات فرصة لتحقيق فوائد بيئية واقتصادية للمجتمعات، ويبرز السؤال كيف يمكن ذلك؟؟

تشرح لصحيفة الساقية برس الالكترونية ،الدكتورة نوال عبد الجليل ،مديرة الاستزراع السمكي في وزارة الثروة الحيوانية في السودان مؤكدة أن إعادة تدوير البلاستيك المستخرج من البحار ،تمثل خطوة مهمه لتحويل النفايات الضارة إلى موارد نافعة، ويمكن أن يدخل البلاستيك المعاد تدويره ،في صناعات متعددة ،مثل تحويله الى ألياف تستخدم في صناعة الملابس والأحذية الرياضية،كذلك في الأعمال الفنية والتصميمية.

التوعية ..الحلقة المفقودة..
ولكن هل إعادة التدوير تكفي ؟؟ فالسلوك المجتمعي يمثل عنصرا أساسيا في مواجهة المشكلة وهذا ما أشارت له الدكتورة نوال حسين الأستاذة المشاركة في أكاديمية السودان للعلوم الاتصال والمتخصصة في التوعية البيئية ،إذ تشير نوال إلى أهمية رفع الوعي البيئي في الحياة اليومية ،واستخدام البدائل الصديقة للبيئة،واختيار المنتجات التي تأتي في عبوات قابلة للتدوير.
تلوث وانبعاث ..
إن استخدام البلاستيك في السودان زاد بصورة كبيرة في مختلف القطاعات الخدمية والتجارية والمنزلية،الأمر الذي أدى إلى ارتفاع المخلفات البلاستيكية التي لم تجد حظها من الجمع والفرز والتدوير ،بجانب التوسع العمراني والنمو السكاني والحرب التي نشبت في العام 2023في السودان.

وتوضح المفتشة البيئية عبير سليمان التي تعمل في الهيئة العامة لنظافة ولاية الخرطوم ،وهي هيئة حكومية، توضح الآثار البيئية للبلاستيك خاصة على التربة والذي وصفته قائلة(البلاستيك يؤدي إلى انخفاض خصوبة التربة ،وانسداد مسامها، بجانب أن المركبات الكيميائية المضافة إلى البلاستيك تتسرب أيضا إلى التربة وهذا يهدد البيئة والصحه العامة ).
وعددت عبير الآثارعلى الإنسان والكائنات الحية ،مبينة أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة،تنتقل إليهم عبر الغذاء والمياه، مشيرة إلى أن الحيوانات تبتلع اكياس البلاستيك أثناء الرعي،ما يؤدي لانسداد جهازها الهضمي ومن ثم نفوقها،واردفت سليمان( إن حرق المخلفات البلاستيكية، يعد من أخطر مصادر تلوث الهواء،إذ ينتج عن الحرق العديد من الغازات والمركبات السامة، التي تسبب أمراض الربو ،والتهاب الشعب الهوائية ،والأمراض التنفسية المزمنة،واحتمالات الإصابة بسرطان الرئة وتسهم كذلك في الاحتباس الحراري وتغير المناخ .
وختمت مؤكدة على أن الأمطار والسيول تعمل على نقل كمية كبيرة من المخلفات البلاستيكية إلى الأودية والمصارف ،فيتسبب في انسدادها ،مايزيد من احتمالية الفيضان ،كما أن اعتماد السودان على الرعي المفتوح ،يزيد من تعرض الحيوانات لابتلاع المخلفات البلاستيكية).
وفي سؤال عن الحد من استخدام البلاستيك ،امنت عبير على ضرورة إصدار وتفعيل تشريعات وطنية للحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام ،ونادت بتطبيق الحظرعلى البلاستيك ، بصورة تدريجية وتوفير البدائل بأسعار معقولة وتشجيع الاستثمار في صناعة البدائل القابلة للتحلل وإعادة الاستخدام ،وتطبيق مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتج وإلزام المنتجين والمستوردين في المساهمة في إدارة مخلفات منتجاتهم ،وتعزيز الرقابه البيئيه على المصانع والأسواق والمنافذ الحدودية ،ودعم البحث العلمي لتطوير البدائل ،التي تتناسب مع البيئة والظروف الاقتصادية في السودان ،منوهة إلى أن السودان مازال يرزح تحت الحرب ،لذلك لابد من ادراج الحد من التلوث البلاستيكي، ضمن أولويات برامج إعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
إرادة حقيقية..
واخيرا، يبقى الحل ليس في عقد الندوات أوالمؤتمرات، بل في الإرادة الحقيقية والإجماع لوضع حد للتلوث البلاستيكي واستشراف آفاق الحلول القائمة على الطبيعة.



