بين الرسائل والمفاوضات.. من يملك حق تعريف موقف السودان ؟

بقلم/ رانيا عمر:
في زمن الشائعات، لا تحتاج بعض الروايات إلى مفاوضات حقيقية حتى تنتشر؛ يكفي أن تُمنح ملامح توحي بأنها واقع قائم. وبين الحقيقة والتأويل، قد تتحول الاتصالات الطبيعية إلى قصص سياسية تُحمّل أكثر مما تعكس، ويُطلب من الرأي العام أن يتعامل مع احتمالات لم تعلنها الدولة أصلًا.
ومن هنا تأتي أهمية ما أكده نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مالك عقار، في تصريحه اليوم 20 يوليو 2026، حين أوضح أنه لا توجد أي مفاوضات بين السودان والولايات المتحدة حتى الآن، وأن ما يجري لا يتجاوز تبادل الرسائل، وهو أمر طبيعي في إطار العلاقات والاتصالات الدبلوماسية بين الدول، ولا يمكن اعتباره تفاوضًا.
لكن أهمية التصريح لا تكمن فقط في نفي خبر متداول، بل في إعادة الأمور إلى سياقها الصحيح. فالقضية لم تعد مجرد معلومة تُصحح، بل أصبحت مرتبطة بمحاولة رسم صورة عن موقف السودان لا تستند بالضرورة إلى ما أعلنته مؤسساته الرسمية.
وهنا تظهر الأسئلة الأهم: لماذا يُصر البعض على تقديم السودان وكأنه يقف أمام مفاوضات لم تبدأ؟ ولماذا يُراد للرأي العام أن يتعامل مع احتمالات باعتبارها حقائق؟ وهل أصبح من السهل صناعة تصورات مسبقة ثم البحث عن وقائع تؤيدها؟
الإجابة تبدأ من التمييز بين مفهومين مختلفين: التواصل الدبلوماسي والتفاوض السياسي. فالأول ممارسة طبيعية بين الدول، أما الثاني فهو مسار له شروطه وأهدافه وإعلاناته الرسمية. وجميع الدول تتبادل الرسائل، وتفتح قنوات الاتصال، وتناقش القضايا المشتركة، دون أن يعني ذلك دخولها في مفاوضات أو استعدادها لتقديم تنازلات.
ومن هنا فإن الخلط بين الاتصال والتفاوض ليس مجرد خطأ في المصطلحات، بل قد يقود إلى قراءة سياسية لا تعكس الواقع. فالدبلوماسية ليست ضعفًا، والتواصل ليس تنازلًا، وإدارة العلاقات الخارجية ليست دليلًا على الارتهان لأحد.
والسيادة لا تظهر فقط في القرارات الكبرى، بل تظهر أيضًا في حق الدولة بأن تعرّف مواقفها بنفسها، وأن تحدد طبيعة علاقاتها الخارجية دون أن يتولى الآخرون تفسير خطواتها نيابة عنها. فالسودان لا يرفض التواصل مع العالم، لكنه يرفض أن يصبح هذا التواصل مادة لتأويلات ترسم صورة لا تعبر عن قراره الوطني.
والتواصل الدبلوماسي بين الخرطوم وواشنطن، كما هو الحال بين مختلف الدول، جزء من طبيعة العلاقات الدولية. لكن تحويل أي اتصال إلى تفاوض رسمي يخرج الأمر عن سياقه، ويحوّل المساحات الدبلوماسية الطبيعية إلى عناوين سياسية قابلة للاستغلال.
لذلك فإن المعركة اليوم ليست فقط حول ما يحدث، بل حول من يملك حق تفسير ما يحدث. فالمعلومة الواحدة قد تُقدَّم بطرق مختلفة، ومن ينجح في فرض تفسيره للأحداث قد يؤثر في الرأي العام قبل أن تكتمل الصورة.
وفي النهاية، فإن القضية أكبر من جدل حول وجود مفاوضات أو عدم وجودها؛ إنها تتعلق بحق السودان في أن يكون صاحب الكلمة الأولى في تعريف مواقفه وتحديد مسار علاقاته. فالدول لا تُقاس بما يُقال عنها، وإنما بقدرتها على حماية قرارها من أن يصبح ساحة للتأويلات.
ومع أن الأخبار تصنع في غرف التحرير، لكن مواقف الدول لا تُصنع إلا داخل مؤسساتها. وما أكده نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مالك عقار، اليوم ليس مجرد نفي لشائعة، بل تأكيد لمبدأ ثابت: السودان هو من يحدد متى يتفاوض، ومع من يتفاوض، وكيف يدير علاقاته الخارجية. أما ما عدا ذلك، فتبقى قراءات لا تملك حق تحديد مسار وطن كامل.



