المولد في أم درمان.. صناع النكهة والمذاق وحداة الأرواح

بقلم / مصعب الصاوي:
ما إن تظلنا نفحات مولد سيد الوجود وآله حتى تطفو إلى الذاكرة أسماء وذكريات وطعوم ونكهات وأهازيج ارتبطت بهذا المكان المبارك فالمولد وساحته ليس مجرد مكان يحتشد فيه الناس بل ذاكرة حية تنبض بها جميع الحواس والتي تبدأ بالزفة الأشهر للصناع والعمال وأصحاب المهن في تنافس حميم يفيض بالمحبة والفخر بمصدر الرزق وتتعالى الهتافات :
العز لمين !؟
للنجارين
العز لمين
للجزارين
العز لمين
للحدادين
تصطف عرائس المولد بأزيائها البنفسجية والبرتقالية في زينتها يحف بها الفرسان بسيوفهم من السكر اللامع والأحصنة القافزة في شموخ وإباء ثم تلك الكؤوس والأباريق والقصعات الملونة هدايا للصغار هذه الحلوى المشكلة برع فيها أقباط أم درمان نذكر منهم نسيم مرعي وفوزي لبيب وسوريان بشارة.
ومعاملها موزعة بين حي العرب وحيشان المسالمة مضافا اليها بقلاوة يوسف المصري وعلفية آل الفكي من السمسم الخالص والفولية وحلاوة حمص . تتوسط مبيعات الحلوى على جدار حوش خليفة المهدي ود تورشين حلوى الطيب السيد المكي وقد صارت أيقونة لمذاق المولد في كل موسم وتتوسطها صواني الباسطة والبسبوسة المميزة بالفول السوداني المبشور والمحمص بدقة ومزاج.
في مرورك على معرض الألوان والطعوم هذا لابد من وقفة عند العم مينا عياش بجلبابه الأزرق السماوي الشهير وعمامته الصغيرة وشاربه الصعيدي الضخم وعلينا أن نلاحظ هذا التسامح والمحبة التي تجمع المسلمين والمسيحيين في ساحة المولد النبوي الشريف في تجسيد لقيم التعايش الديني والاجتماعي في المدينة البوتقة أم درمان.
غير بعيد من مهرجان اللون والطعم هذا تتوسط دارة الساحة خيمة السمانية ونستمع للشاعر وهو ينشد الصيحة وتموج الحلقة بالقفزات الشهيرة للسمانية في مايعرف بالرقص العرفاني او رقص السماح كما قال الشيخ قريب الله أبوصالح : ( لاتلم بالرقص عبدا واجدا إنه والله من عيب برئ )، على مقربة منها دارة الشيخ أحمد ود سليمان ونجمها وقمر زمانها المادح المروحن بالوجد علي المبارك سقت قبره سحب الرحمة والرضوان. وقد اشتهروا بمداح الفتيحاب وكانت طريقة أداء المادح علي المبارك وشعره وجلبابه القادري المرقع مما يجذب الناس سيما الأطفال لأجواء المحبة النبوية.
السادة العركيين والأعراك والمكاشفية بمختلف راياتهم هم حديقة المولد الملونة بالإيقاعات الحارة وألوان المرقوعة البهجة ولاننسى كراب السمانية من الجلد المدبوغ وهو عند أبناء السمانية إشارة للاجتهاد في الذكر وشد البطن على الطوى.
السادة الأدارسة والسادة الكسواب وأبناء الصائم ديمة وأبناء الشيخ دفع الله الغرقان وأحبابهم ومريدوهم يضيفون نكهة أخرى للمولد وأبناء الشيخ حمد النيل قدس الله سره ونفعنا بهم جميعا أكثر المجاميع حيوية وحركة وإيقاعا ودراويش الشيخ حمد النيل هم نجم وأقمار ساحة المولد.
خيمة البرهانية تمتاز بالأناقة واللون الأخضر الذي يغمر المكان مع الطواقي برتقالية اللون حرير منسج كما يقال . وفي كل خيمة ومكان تشم رائحة بخور مختلف بعبق فريد يشعل الحواس.
ساحة المولد ليست مكانا لإحياء مولده صلوات ربي عليه وآله وحسب بل مهرجانا عامرا بالمحبة والتعايش والسلام.



