وزير الإنتاج بالنيل الأبيض: جنوب السودان سوق واعد للمنتجات السودانية

وزير الإنتاج بالنيل الأبيض:
خطة لتحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية
9.9 مليون رأس من الأبقار
خطة لتحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية
خريف ضعيف ومتباين يرفع مخاطر فجوات الغذاء والأعلاف
10 ملايين بيضة سنوياً من «البيضة الذهبية»..
حوار: خالد الفكي
تتجه ولاية النيل الأبيض إلى جعل الزراعة والثروة الحيوانية ركيزتين للتعافي الاقتصادي بعد الحرب، مستفيدة من موارد زراعية وحيوانية كبيرة وموقع جغرافي يتيح الوصول إلى أسواق إقليمية، خاصة دولة جنوب السودان. وفي حوار مع منصة «أرض السودان»، قال وزير الإنتاج والموارد بالولاية، الدكتور عبد السميع موسى إبراهيم، إن التحدي لم يعد في حجم الموارد، وإنما في رفع الإنتاجية وتحويلها إلى قيمة مضافة. وكشف عن امتلاك الولاية نحو 9.9 مليون رأس من الأبقار، وخطط لتحسين السلالات وتطوير المحاجر والمراعي وصناعة الألبان. كما تحدث عن إدخال الأرز كمحصول استراتيجي عبر تجربة على 200 فدان، واستعدادات الموسم الزراعي 2026-2027 في ظل توقعات بخريف ضعيف ومتباين.
إلى مضابط الحوار:
بدايةً، كيف تقرأون واقع القطاع الزراعي في الولاية في ظل تداعيات الحرب، وما أولويات المرحلة المقبلة؟
نتعامل مع الزراعة باعتبارها أحد أهم مداخل التعافي الاقتصادي في المرحلة المقبلة. لذلك بدأنا مبكراً في تحريك الموارد الإنتاجية وتهيئة البيئة المناسبة للمزارعين، ووضعنا ترتيبات للموسم الزراعي الحالي، مستفيدين من دروس الموسم السابق وما صاحبه من معوقات.
وتبلغ المساحة المزروعة هذا الموسم نحو 6 آلاف فدان، موزعة بين القطاعين المروي والمطري، إلى جانب قطاعات العمل والجمعيات والشركات. والأهم بالنسبة لنا ليس حجم المساحة فقط، وإنما رفع الإنتاجية، وتحسين إدارة الموارد، وربط الإنتاج بالتسويق.
لكن ضعف الإنتاجية لا يزال يمثل تحدياً كبيراً.. ما خطتكم لمعالجته؟
بالفعل، نركز على الإنتاجية وليس فقط على التوسع الأفقي. ويتراوح متوسط إنتاج الفدان في القطاعين المطري والتقليدي بين شوال وثلاثة شوالات، بينما يصل في القطاع المروي إلى نحو 7 أو 8 شوالات.
ووضعنا خطة للإرشاد الزراعي تستهدف بصورة خاصة صغار المنتجين، مع الاستفادة من الإعلام والمنصات الإعلامية في التوعية بالممارسات الزراعية السليمة والتعامل المبكر مع الآفات، لأن المزارع يحتاج إلى المعلومة في الوقت المناسب بقدر حاجته إلى المدخلات الزراعية.
ما توقعاتكم للموسم الزراعي 2026-2027، في ظل المؤشرات المتعلقة بالأمطار؟
المؤشرات تشير إلى خريف ضعيف ومتباين، وهذا أمر نتعامل معه بجدية، لأنه قد يؤدي إلى فجوات في الغذاء والأعلاف، وبالتالي يؤثر في القطاعين الزراعي والحيواني.
لذلك بدأنا الاستعداد مبكراً، من خلال تشكيل لجان للتقاوي وإنجاح الموسم، ولجان فرعية بالمحليات، إلى جانب لجان مساندة للإنتاج وتقديم الدعم لصغار المنتجين.
هل الولاية مستعدة لمواجهة أي فجوة غذائية أو علفية محتملة؟
ولاية النيل الأبيض تتحمل مسؤولية كبيرة، ليس فقط في توفير احتياجاتها، وإنما أيضاً في الإسهام في تغطية احتياجات ولايات أخرى. ومواجهة أي فجوة محتملة تتطلب شراكات حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمنتجين والجهات العاملة في القطاع الحيواني.
كما نعمل على تعزيز التنسيق مع الولايات المجاورة، خاصة شمال وجنوب كردفان وسنار والنيل الأزرق، لأن الأمن الغذائي لا يمكن التعامل معه داخل حدود ولاية واحدة.
تمتلك الولاية ثروة حيوانية ضخمة.. ما حجمها، وما مستوى الاستفادة الاقتصادية منها؟
لدينا نحو 9.9 مليون رأس من الأبقار، إلى جانب أعداد كبيرة من الضأن والماعز والإبل. وهذه ثروة ضخمة، لكن القضية الأساسية أن حجم الثروة لا يوازي مستوى الإنتاجية، خصوصاً في قطاع الألبان.
فعلى سبيل المثال، تتراوح إنتاجية البقرة الكنانية في بعض مناطق الولاية بين لترين وثلاثة لترات من الحليب يومياً. ونحن نريد الانتقال من مجرد امتلاك أعداد كبيرة من الحيوانات إلى رفع إنتاجية الحيوان نفسه.

كيف يمكن رفع إنتاجية الثروة الحيوانية؟
من خلال تحسين السلالات والتغذية والرعاية البيطرية، بالتنسيق مع المجلس الأعلى للثروة الحيوانية، إلى جانب تطوير البنية التحتية للقطاع.
وقد تم التصديق على ثلاثة محاجر بيطرية، بينها محجر للتحضير والكشف ومحجر نهائي تبلغ مساحته نحو 102 فدان، في إطار التوجه نحو إنشاء وتطوير مدن للإنتاج الحيواني وفق السياسة الاتحادية.
وماذا عن المراعي، في ظل ضخامة القطيع؟
تأهيل المراعي وتطويرها من أكبر التحديات. فالثروة الحيوانية الموجودة في الولاية تحتاج إلى موارد غذائية كبيرة، بينما المراعي الحالية لا توفر كل الاحتياجات.
لذلك ننظر إلى الزراعة والثروة الحيوانية باعتبارهما منظومة واحدة، وليس قطاعين منفصلين.
ماذا تقصدون بالزراعة المختلطة، وكيف يمكن أن يستفيد منها المنتج؟
نريد إدخال الثروة الحيوانية ضمن الدورة الزراعية المروية، بحيث لا يزرع المزارع محصولاً نقدياً فقط، وإنما ينتج الأعلاف أيضاً، وفي الوقت نفسه يربي ويسمن الحيوانات.
وبهذا النموذج يمكن للمزارع الحصول على أكثر من مصدر دخل خلال الدورة الإنتاجية نفسها. نحن لا نريد أن يبقى الحيوان عبئاً على المربي، وإنما أن يتحول إلى أصل اقتصادي سريع الدوران.
ويمكن أن تمتد دورة تسمين الضأن لنحو 25 إلى 30 يوماً وفق برامج التغذية والرعاية، بينما تتراوح دورة تسمين العجول بين 45 و60 يوماً. وبالتالي، فإن إطالة بقاء الحيوان دون مبرر إنتاجي أو تسويقي تعني زيادة التكلفة والخسارة للمربي.
إذا كانت الولاية تمتلك نحو 9.9 مليون رأس من الأبقار، فلماذا لا تنعكس هذه الثروة بصورة أكبر على صناعة الألبان؟
لأننا بحاجة إلى تطوير سلسلة القيمة كاملة، وليس فقط إنتاج الحليب. نحتاج إلى المخازن وسلاسل التبريد، وإلى تدريب المنتجين على التصنيع الغذائي.
ويمكن تحويل الحليب إلى منتجات متعددة، مثل الجبن الأبيض والجبن المضفر وغيرها، بدلاً من الاقتصار على استهلاكه بصورة مباشرة.
وعندما نطور التصنيع والتخزين والتبريد، ترتفع قيمة المنتج، ويصبح المزارع أو مربي الماشية قادراً على تحقيق عائد أفضل.
الدواجن.. قاعدة إنتاجية قابلة للتوسع
ماذا عن قطاع الدواجن، وما فرص نموه في الولاية؟
النيل الأبيض لديها قاعدة إنتاجية جيدة في الدواجن اللاحمة والبياضة. وشركة «البيضة الذهبية»، على سبيل المثال، يتجاوز إنتاجها 10 ملايين بيضة سنوياً، وهذا يمثل محفزاً لنمو القطاع.
لكننا نحتاج إلى ربط الإنتاج بالسوق، وتوفير المدخلات والبنية التحتية التي تساعد القطاع على التوسع والاستمرار.

الأرز.. من التجربة إلى محصول استراتيجي
انتقلتم إلى تجربة زراعة الأرز.. لماذا الأرز تحديداً، وما الذي تستهدفه الولاية من التجربة؟
ننـظر إلى الأرز باعتباره محصولاً استراتيجياً ومستقبلياً، وليس مجرد تجربة زراعية.
وبدأنا بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في تنفيذ حقول إيضاحية للأرز، تمت زراعتها في مساحة 200 فدان موزعة على ثمانية مواقع، ويستفيد منها 80 مزارعاً.
نريد تقييم التجربة بصورة عملية، ثم البناء عليها للتوسع خلال المواسم المقبلة.
هل يمكن أن يصبح الأرز جزءاً من النظام الغذائي في السودان؟
هذا هو الهدف. نأمل أن يصبح الأرز غذاءً أساسياً إلى جانب الذرة في المستقبل، ولذلك لا نتعامل معه كمحصول تجريبي فقط، وإنما كجزء من رؤية أوسع لتنويع مصادر الغذاء وتعزيز الأمن الغذائي.
تحدثتم كثيراً عن زيادة الإنتاج، لكن ماذا عن التسويق والوصول إلى الأسواق؟
التسويق أحد أكبر محددات الإنتاج الزراعي والحيواني في الولاية. قد تنتج بصورة جيدة، لكن إذا لم تجد سوقاً مناسباً وسعراً مجزياً، فإن المنتج سيتراجع.
والنيل الأبيض تمتلك ميزة جغرافية مهمة لقربها من دولة جنوب السودان، ويمكن أن تكون هذه المنطقة سوقاً مهماً للمنتجات والثروة الحيوانية، لكن ظروف الحرب أثرت بصورة مباشرة في حركة التجارة والأسواق.
لذلك نحتاج إلى تطوير سلسلة القيمة من المنتج إلى المستهلك، وربط الإنتاج بالأسواق المحلية والإقليمية.
تحدثتم عن الحوكمة والشراكات الذكية.. كيف تنعكس هذه المفاهيم عملياً على القطاع؟
تعني أن تعمل الجهات المختلفة في اتجاه واحد، وأن تكون هناك شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص والولايات والمنظمات والمنتجين.
ونحن نعمل على حوكمة القطاع الزراعي والإنتاج والتسويق، وتعزيز التنسيق مع المحليات، وبناء علاقات تشاركية مع الولايات المجاورة.
كما نوسع الشراكات لتشمل الزراعة والثروة الحيوانية والقطاع السمكي والداجني، ونطبق مفهوم «الصحة الواحدة» للتعامل مع الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان والبيئة.
في ختام الحوار، إلى أين تريدون أن تصل النيل الأبيض في المرحلة المقبلة؟
نريد الانتقال من التعامل مع الزراعة والثروة الحيوانية كمصادر تقليدية للمعيشة إلى قطاعات اقتصادية متكاملة.
لدينا موارد كبيرة، سواء في الأراضي الزراعية أو الثروة الحيوانية أو الموقع الجغرافي. والتحدي الآن هو تحويل هذه الموارد إلى إنتاجية وقيمة مضافة وأسواق.
مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى إعادة بناء مختلفة، وستكون الزراعة واحدة من أهم الركائز التي يمكن أن تقود التعافي الاقتصادي. لكن ذلك لن يتحقق إلا برفع الإنتاجية، وتطوير البنية التحتية، وتحسين التسويق، وبناء شراكات ذكية تضع المنتج في قلب عملية التعافي.


