مقالات

مدح المصطفى.. فن وأدب

بقلم/ عبدالله رزق ابوسيمازة: 

ينسب للفنان الكبير عبدالكريم الكابلي القول بأن انشودة ” ليلة المولد” التي تغني بها من شعر محمد المهدي المجذوب ، فتحت الباب أمام بعض الفنانين ليصبحوا مداحين . لكن يمكن القول ، أيضا ، أن المديح ، كابداع بحد ذاته ،اوكضرب من الغناء- ربما ، قد كان البوابة التي ولج منها مداحون ، مثل بادي محمد الطيب وخضر بشير ، لعالم الفن ، فيما عبر من ذات البوابة ، في الاتجاه الآخر ،والفنان الجيلي الشيخ ، الذي أصبح أحد نجوم المديح .
ثمة كثيرون قد عبروا الفاصل الرفيع غير المرئي ، ،بين المديح وفن الغناء. من العابرين ، تشير الروايات ، إلى الفنان العالمي ، الجامايكي الأصل ، جيمي كليف ، الذي زار البلاد في نهاية سبعينات القرن الماضي ، وقد شوهد يتردد على مزار الشيخ حمد النيل في ام درمان ، يشهد “الذكر” ويسجل اناشيده وايقاعاته ، وأنه قد استوحى من كل ذلك اغنية نالت حظا كبيرا من الشهرة ..
لكن يمكن اعتبار انشودة المولد ، التي تعبر عن عبقرية شاعر مجيد وفنان ملهم ، قد مثلت طفرة في فن المديح ، في اقتران ذروتي الادب والفن ، الشعر والموسيقى . إذ أن شعر المديح يتفاوت في جودته ، وفي ورصانة التعبير عن أغراضه ، ويتوزع بين العامي والفصيح ، والسيريالي ، من قبيل :
وأأس أسيسا في سي سي
وأأ أكيكا في كي كي…!
أو :
الهبرو ملو ،
جابو سليب من أك لي ألو ..!
في “ليلة المولد” يمكن رؤية نفس بنيان اغنية “مروي” الموسيقي والعشرين ، حيث تتوزع القصيدة إلى مقاطع لكل لحن ،ولكل مقدمة موسيقية ، واستدعاء تراث و منجز التأليف الغنائي والموسيقي ، منذ أن أدخل الحاج محمد احمد سرور الرق، الذي رآه عند المتصوفة في مصر ، ليحل محل المعلقة وكوب الطلس و علبة الكبريتة ،في ضبط الايقاع . فالكابلي وظف الأوركسترا في أداء الانشودة ، و لم يقتصر على استخدام الآلات الأساسية ، الرائج استخدامها في المديح : النوبة والطار والطاسات والمثلث .
تتكون انشودة المولد من عدة لوحات من الاحتفال الذي يتم سنويا بمولده عليه السلام وتشارك فيه الطرق الصوفية ويؤمه جمهور غفير …وتصف القصيدة تفاعل المحتفلين مع المديح وطقوسه ، وما يرافق ذلك من حركات ايقاعية وأداء طقسي يتسم بالبساطة.
ليس للمرأة ، في العادة ، مكان في حلبة “الذكر”، ومع ذلك فإنها تتابع الحدث من وراء حجاب، وتطلق الزغاريد . اتسمت اشعار المدائح المغناة بالبساطة ، ايضا ، وغلب عليها قالب أو اطار، ما سيعرف لاحقا بحقيبة الفن . وهو ما سمح لاغاني الحقيبة أن تكون بعض مصدر الحان اشعار المدائح . وقد اشتهر بعض المادحين ، مثل اولاد شاطوط ، باستعارة بعض الحان الغناء الذائعة ، لمدائحهم . ومع ذلك لم يخل المديح ، من الإلهام ، من أصالة بصمة الفن . لقد عني الاستاذ قرشي محمد حسن بتوثيق ودراسة شعر المدائح ونشره ، تحت عنوان ادب المدائح . وهو شعر اختص بتوثيق سيرة المصطفى وصفاته ومعجزاته ،كما وردت في كتب السير . لكنه ، أي شعرالمدائح العامر بمحبة المصطفى، لا يقتصر على مدح النبي ، اذ يفرد حيزا لاقطاب ومشايخ الطرق الصوفية ، وكراماتهم . وقد طوع الشعراء اللغة العامية لهذه الغاية ، وارتقوا – احيانا- لمراتب عالية من التعبير بالرموز والمجاز ، من الحسي إلى المجرد . وبجانب ملكته في نظم الشعر ، اشتهر المادح الشيخ عبدالرحيم البرعي ، بتصميم الحان لأشعاره المحتشدة بالتصاوير المعبرة والجاذبة ، والتي جدت قبولا وانتشارا واسعا ..
فقد جمع بين مهارة النظم ومهارة التلحين ، مثلما فعل بعض كبار شعراء الاغنية ، مثل عمر البنا وعبدالرحمن الريح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى