حين تصبح ديون السودان ورقة في حقيبة سياسي

رانيا عمر:
ليست كل دعوة من عاصمة أجنبية مكسبًا سياسيًا، وليست كل محادثة مع مسؤول أجنبي إنجازًا يستحق الاحتفاء. أحيانًا تكون قيمة الحدث في السؤال الذي يثيره، لا في الصورة التي تنتج عنه.
وهذا تحديدًا ما يجعل زيارة مبارك أردول إلى باريس تستحق التوقف.
في 26 أغسطس 2026، أعلن أردول أنه التقى مسؤولين في وزارة الخارجية الفرنسية، وقال إن الاجتماع تناول العملية السياسية ووقف الحرب والأوضاع الإنسانية وإعادة الإعمار، إلى جانب المبادرات المتعلقة بإعفاء ديون السودان.
في حد ذاته، لا يثير هذا الأمر استغرابًا. فمن الطبيعي أن تتحرك القوى السياسية السودانية خارجيًا، وأن تشرح مواقفها بشأن الحرب والسلام، وأن تبحث عن دعم دولي لرؤيتها لمستقبل البلاد.
لكن طبيعة القصة تتغير عندما يدخل ملف ديون السودان إلى هذا النقاش.
وتزداد أهمية الأمر بالنظر إلى مستوى المسؤولين الذين قال أردول إنه التقاهم. فبحسب تصريحه، ضم الاجتماع إيمانويل باتمان، مديرة قسم أفريقيا والمحيط الهندي، والسفير جان ماري صفا، المبعوث الفرنسي إلى السودان، وكاسبيو فيين، نائبة مديرة القسم، إلى جانب مسؤول آخر في الوزارة.
أي أننا، وفق الرواية المنشورة، لسنا أمام لقاء بروتوكولي عابر، وإنما أمام اجتماع مع مسؤولين يتعاملون مباشرة مع ملفات أفريقيا والسودان.
وحين يكون مستوى الاجتماع بهذه الصورة، تصبح طبيعة الملفات المطروحة جزءًا من أهمية اللقاء نفسه.
وهنا تحديدًا تبرز مديونية السودان.
فالحديث عن وقف الحرب أو العملية السياسية يمكن أن يكون جزءًا طبيعيًا من نشاط أي قوة سياسية. وحتى إعادة الإعمار يمكن أن تكون موضوعًا مشروعًا للنقاش السياسي، لأنها ترتبط برؤية القوى المختلفة للسودان بعد الحرب.
أما الديون الخارجية، فطبيعتها مختلفة.
إنها التزامات على الدولة، وملف يرتبط بالدائنين الرسميين والمؤسسات المالية الدولية والسياسة الاقتصادية للحكومة. ولذلك فإن مناقشة كيفية إعفائها أو إعادة هيكلتها ليست مجرد طرح سياسي حول مستقبل البلاد، وإنما تمس واحدًا من أكثر الملفات المالية حساسية بالنسبة للدولة السودانية.
وتزداد حساسية الأمر لأن فرنسا ليست طرفًا بعيدًا عن هذا الملف.
ففي يوليو 2021، شاركت فرنسا، عبر نادي باريس، في اتفاق لإعادة هيكلة الدين العام الخارجي للسودان مع الحكومة السودانية. وأعلن نادي باريس آنذاك إلغاء 14.1 مليار دولار من الديون المستحقة لدوله، وإعادة جدولة نحو 9.4 مليار دولار، بينما كان الوفد السوداني برئاسة وزير المالية والتخطيط الاقتصادي.
هذه الخلفية مهمة لسبب واحد: ملف ديون السودان سبق أن عولج في مسار رسمي بين الحكومة السودانية ودائنيها، عبر مؤسسات الدولة المختصة.
ومن هنا تظهر المفارقة التي تجعل لقاء باريس أكثر من مجرد نشاط سياسي خارجي.
الملف الذي عولج رسميًا بين الدولة ودائنيها يظهر الآن، بحسب تصريح أردول، ضمن نقاش مع شخصية سياسية سودانية ومسؤولين في الخارجية الفرنسية.
وبحسب المعلومات المنشورة، لا يظهر أن أردول ذهب إلى الاجتماع بصفة رسمية معلنة ممثلًا للحكومة السودانية أو وزارة المالية في ملف الديون.
وهذه النقطة لا تعني التشكيك في حقه في التحرك السياسي، وإنما تتعلق بتحديد طبيعة ما جرى.
فإذا كان أردول يطرح رؤية تحالفه لمعالجة الأزمة الاقتصادية ويدعو المجتمع الدولي إلى مساعدة السودان، فهذا يدخل بوضوح في النشاط السياسي المشروع.
أما إذا كان النقاش يتناول دور فرنسا في إعفاء ديون السودان أو المبادرات التي يمكن أن تقودها في هذا الاتجاه، فإن طبيعة الملف تصبح مختلفة؛ لأن الحديث هنا يلامس التزامات الدولة وعلاقاتها المالية الخارجية.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بشخص أردول وحده، بل بصورة تمثيل السودان في الخارج.
ففي العلاقات الدولية، هناك فرق بين أن تستمع حكومة أجنبية إلى رؤية حزب أو تحالف سياسي، وبين أن تتعامل معه في ملفات يفترض أن يكون للدولة موقف مؤسسي واضح بشأنها.
وهذا هو موضع القلق الحقيقي.
ليس لأن السياسيين يجب أن يُمنعوا من التواصل مع الخارج، وليس لأن فرنسا لا يحق لها الاجتماع بالقوى السياسية السودانية، وإنما لأن اختلاط المسارين السياسي والرسمي في الملفات السيادية يمكن أن يخلق مع الوقت التباسًا حول من يتحدث باسم الدولة.
واللافت أن هذا الالتباس لا يتعلق بالجانب السوداني وحده.
فإذا كانت الخارجية الفرنسية قد ناقشت، بحسب ما أعلنه أردول، مبادرات تتعلق بإعفاء ديون السودان، فإن السؤال يصبح متعلقًا أيضًا بطبيعة اللقاء من الجانب الفرنسي: هل كان مجرد استماع إلى رؤية سياسية، أم أن الملف نوقش باعتباره قضية يمكن أن يكون لهذا الطرف السياسي دور فيها؟
لا توجد معلومات كافية تسمح بالقول إن وراء اللقاء صفقة، أو أن فرنسا تريد منح أردول دورًا خاصًا في ملف الديون، أو أن ما جرى كان تفاوضًا رسميًا.
والقفز إلى هذه النتائج سيكون أبعد مما تسمح به الوقائع المتاحة.
لكن عدم وجود دليل على صفقة لا يعني أن المسألة لا تستحق السؤال.
فالسياسة الخارجية لا تُقاس فقط بالنوايا، وإنما أيضًا بالرسائل التي تصل إلى الأطراف الأخرى. وعندما تتعدد الشخصيات والقوى التي تتحدث مع العواصم الأجنبية عن قضايا الدولة، يصبح من المهم أن يكون واضحًا ما الذي يمثل موقفًا سياسيًا وما الذي يمثل موقف الدولة.
وهذا أكثر أهمية في حالة السودان، حيث أضافت الحرب والانقسام السياسي تعقيدًا كبيرًا إلى مسألة التمثيل الخارجي.
فالسودان يحتاج إلى أصوات سياسية متعددة في النقاش حول مستقبله، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى صوت مؤسسي واضح في الملفات التي تخص الدولة نفسها.
ومن حق القوى السياسية أن تنافس على شكل السودان بعد الحرب، وأن تسعى إلى بناء علاقات دولية، وأن تقدم رؤيتها للسلام والحكم وإعادة الإعمار والاقتصاد.
بل إن إدخال إعادة الإعمار والديون إلى جانب وقف الحرب يمكن قراءته باعتباره مؤشرًا على أن القوى السياسية بدأت تنظر إلى المرحلة التي ستلي القتال، وإلى موقعها في السودان القادم.
وهذا طبيعي في السياسة.
لكن التنافس على مستقبل الدولة شيء، والتعامل مع ملفاتها السيادية شيء آخر.
فالتحالف السياسي ليس وزارة مالية، والحزب ليس وزارة خارجية، والاتصال بعاصمة أجنبية لا يمنح صاحبه تلقائيًا صفة تمثيل الدولة.
ومن هنا تصبح مسؤولية الحكومة ووزارة الخارجية واضحة: ليس المطلوب منع القوى السياسية من التحرك، وإنما تثبيت الحدود بين النشاط السياسي والتمثيل الرسمي.
إذا كان هناك تكليف رسمي حمل أردول إلى باريس في ملف الديون، فمن الطبيعي أن تكون صفته ومهمته واضحتين.
أما إذا كان اللقاء سياسيًا، فمن المهم أن يبقى واضحًا أن ما طُرح فيه يمثل رؤية سياسية، وليس التزامًا أو موقفًا رسميًا للدولة السودانية.
هذه ليست محاولة لإقصاء القوى السياسية من العلاقات الخارجية، وإنما حماية لمركزية القرار في ملفات لا تحتمل تعدد التمثيل.
فالديون ليست ملكًا لحزب، ولا إنجازًا يمكن أن يُسجل باسم سياسي.
وإذا نجحت فرنسا أو أي دولة أخرى في مساعدة السودان على تخفيف أعبائه الخارجية، فذلك مكسب للسودانيين جميعًا، ويجب أن يظل في إطار المصلحة الوطنية، لا أن يتحول إلى رصيد شخصي في المنافسة السياسية.
لهذا فإن أهمية لقاء باريس لا تكمن في أن أردول نجح في الوصول إلى الخارجية الفرنسية، ولا في عدد المسؤولين الذين التقاهم.
الأهمية الحقيقية أنه كشف منطقة تحتاج إلى وضوح أكبر: أين ينتهي النشاط السياسي في الخارج، وأين يبدأ الحديث في ملفات الدولة؟
السودان يحتاج إلى وقف الحرب.
ويحتاج إلى إعادة الإعمار.
ويحتاج إلى إعفاء ديونه ودعم دولي حقيقي.
لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يعرف العالم من يتحدث باسم الدولة السودانية، ومن يتحدث باسمه السياسي.
وفي هذه النقطة، لا يتعلق الأمر بأردول وحده.
إنه يتعلق بالدولة نفسها، وبقدرتها على حماية وضوح قرارها الخارجي في مرحلة تتعدد فيها مراكز التأثير والحديث باسم السودان.
قد يكون لقاء باريس في النهاية مجرد لقاء سياسي لا يحمل أكثر مما أُعلن عنه.
لكن ذلك لا يلغي السؤال الذي كشفه:
لماذا دخل ملف مديونية السودان إلى اجتماع الخارجية الفرنسية مع سياسي سوداني؟
ففي الملفات السيادية، لا يكفي أن نعرف ما قيل.
نحتاج أيضًا إلى أن نعرف بأي صفة قيل، وأين ينتهي الرأي السياسي ويبدأ موقف الدولة.
فالسودان لا يحتاج إلى بطل حزبي للديون.
يحتاج إلى دولة تفاوض باسمه، ومؤسسات تعرف ماذا تريد، ودبلوماسية واضحة تعرف ما الذي تقبله وما الذي ترفضه.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في دولة ممزقة بالحرب ليس أن يتحدث سياسي مع الخارج.
بل أن يبدأ الخارج نفسه في التعامل مع حديث السياسي باعتباره جزءًا من حديث الدولة.
وفي قضايا السيادة، أحيانًا لا يكون أخطر ما في القصة هو ما نعرفه…
بل ما لا نعرفه بعد.



