مقالات

حماية على الورق ومأساة على الأرض.. «أميت» تضع «يونيسفا» في مواجهة الأسئلة

رانيا عمر:

بين قتيل وجريح، تضاربت التقارير الصحفية حول حصيلة الضحايا الذين سقطوا في هجوم بطائرات مسيّرة على سوق أميت في منطقة أبيي. وبعد أسابيع من أعمال عنف دامية في الموقع نفسه، فإن المسألة لا تتوقف عند هوية الجهة التي نفذت الضربة، بل تمتد إلى القوات الدولية الموجودة لحماية المنطقة، وفي مقدمتها القوة الصينية العاملة ضمن بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا). فكيف تكررت المأساة في سوق سبق أن شهد سقوط قتلى وجرحى، رغم إعلان البعثة تعزيز وجودها الأمني؟ وأي قيمة للجاهزية العسكرية والاستطلاع والتقييمات الدورية إذا ظل المدنيون عرضة لهجمات مدمرة، ثم تحولت الاستجابة إلى إطفاء الحرائق وإجلاء الضحايا بعد وقوع الكارثة؟ إن ما جرى في 19 أكتوبر 2026 يفرض مساءلة مباشرة لأداء البعثة، ويضع القوات الصينية أمام أسئلة لا تجيب عنها بيانات الإشادة بالجاهزية أو سرعة التحرك بعد الهجوم.
لم تكن المخاطر المحيطة بأميت مجهولة تمامًا. ففي 17 سبتمبر، أعلنت يونيسفا أن أعمال العنف التي وقعت في السوق يومي 15 و16 سبتمبر أسفرت عن مقتل 26 شخصًا وإصابة 82 آخرين، وقالت إنها عززت وجودها الأمني في السوق ومحيطه، ونشرت قوات إضافية. وكان يفترض أن يدفع هذا التصعيد إلى مراجعة جدية للتهديدات المحتملة، وتقييم قدرة الانتشار العسكري على حماية التجمعات المدنية، ووضع تدابير تمنع تكرار الهجمات. لكن بعد نحو شهر، تعرض السوق لهجوم جديد خلّف خسائر بشرية جسيمة ودمارًا واسعًا. وهنا لا يعود السؤال عن توافر القوات الدولية في منطقة أبيي سؤالًا نظريًا فحسب، بل يصبح سؤالًا عن فاعلية وجودها ونتائج الإجراءات التي قالت إنها اتخذتها بعد الإنذار السابق. فإعلان تعزيز الأمن لا قيمة عملية له إذا لم ينعكس في إجراءات قادرة على تقليل الأخطار التي يتعرض لها المدنيون.
وتزداد تعقيدات المساءلة إلحاحًا عند النظر إلى ما أعلنته الجهات العسكرية الصينية قبل الهجوم. ففي 2 سبتمبر، نُشر تقرير عن استطلاع جوي مشترك نفذته القوات الصينية ووحدات من غانا وبنغلاديش في 31 أغسطس، لجمع المعلومات ومراقبة مناطق وطرق رئيسية بما يدعم تقديرات قيادة يونيسفا. وفي 29 سبتمبر، أعلنت وزارة الدفاع الصينية اجتياز قوة الرد السريع الصينية تقييمًا للقدرات العسكرية شمل أكثر من 120 بندًا في 11 مجالًا. هذه الوقائع لا تثبت وحدها أن القوات تلقت تحذيرًا محددًا بشأن هجوم 19 أكتوبر، لكنها تضع قيادة البعثة أمام واجب توضيح ما إذا كانت المعلومات الميدانية وتقييمات المخاطر قد استُخدمت على نحو فعّال لحماية المدنيين. كما تطرح سؤالًا جوهريًا عن الفجوة بين الجاهزية التي تُعلنها المؤسسة العسكرية والنتائج التي يلمسها السكان على الأرض. فالمعيار ليس عدد بنود التقييم التي اجتازتها القوة، ولا حجم الأنشطة الاستطلاعية التي نفذتها، وإنما ما إذا كانت هذه الإمكانات قد تُرجمت إلى حماية فعّالة في منطقة سبق أن شهدت تصعيدًا دامياً.
وفي تقرير نشرته وزارة الدفاع الصينية في 26 أكتوبر، قالت إن قيادة يونيسفا أمرت قوة الرد السريع الصينية بالتوجه لتعزيز كتيبة المشاة الباكستانية عقب الهجوم، وإن القوة نشرت، بعد وصولها، معدات لكشف الطائرات المسيّرة والتشويش عليها، واستخدمت طائرات استطلاع، ثم أقامت وجودًا مسلحًا على مدار الساعة. هذه التفاصيل تجعل توقيت التحرك جزءًا أساسيًا من المساءلة: لماذا ظهرت هذه الإجراءات في سياق الاستجابة للهجوم؟ وما التدابير التي كانت قائمة قبل وقوعه؟ وهل كانت قدرات كشف المسيّرات والتشويش عليها متاحة آنذاك، أم جرى توفيرها لاحقًا؟ وأين كانت القوة الصينية قبل صدور الأمر بالتعزيز، وما طبيعة مهمتها وانتشارها في ذلك الوقت؟ لا يجوز استبدال الإجابة عن هذه الأسئلة بالحديث عن سرعة الاستجابة؛ لأن التحرك بعد سقوط الضحايا لا يمحو الحاجة إلى تفسير ما سبق الهجوم، ولا يعفي قيادة البعثة من مراجعة إجراءاتها. كما أن نشر معدات مكافحة المسيّرات بعد الضربة يستوجب توضيحًا رسميًا بشأن توقيت توافرها، وأسباب عدم استخدامها قبلها، إن كانت متاحة ومناسبة للمهمة.
إن المساءلة هنا لا تستهدف القوة الصينية بمعزل عن قيادة يونيسفا؛ فالقرار العملياتي، وتقدير التهديدات، وتوزيع القوات، وتحديد أولويات الحماية، تقع ضمن منظومة قيادة ومسؤوليات يجب أن تُكشف تفاصيلها. لكن ذلك لا يمنح القوة الصينية حصانة من الأسئلة، ولا يجعل تقييمات الجاهزية المعلنة بديلًا عن فحص أدائها الفعلي. وعلى البعثة أن توضح للرأي العام ما إذا كانت قد رصدت تصاعد المخاطر في أميت بعد أحداث سبتمبر، وما الإجراءات التي اتخذتها لحماية المدنيين ومحيط السوق، وكيف تعاملت مع احتمال الهجمات الجوية، وما إذا كانت هناك ثغرات في المراقبة أو الإنذار أو الانتشار. وإذا كانت لديها معلومات لم تُنشر بعد، فإن حجبها لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإغلاق النقاش؛ فحجم الخسائر يفرض شفافية تتناسب مع خطورة ما حدث. أما الاكتفاء ببيانات التعزية والإغاثة والإشادة بجهود القوات، فيترك السؤال الأهم بلا جواب: لماذا لم تمنع إجراءات الحماية تكرار المأساة، أو تقلل، على الأقل، من تعرض المدنيين لهذا الخطر؟
ولا ينفصل هذا الإخفاق عن طبيعة المهمة الأممية في أبيي. فوجود يونيسفا ليس غاية في ذاته، ولا ينبغي أن يُقاس بمجرد استمرار الانتشار العسكري أو انتظام الدوريات؛ إذ إن الغرض من المهمة يشمل حماية المدنيين ضمن حدود التفويض والإمكانات المتاحة. وإذا لم تؤد التدابير الأمنية إلى استجابة تتناسب مع المخاطر المتكررة، فإن واجب القيادة هو تفسير ذلك ومراجعة خططها، لا الاكتفاء بعرض ما تحقق بعد وقوع الهجوم. إن تكرار العنف في موقع مدني سبق أن شهد سقوط ضحايا يجعل مراجعة الأداء ضرورة ملحّة، ويستدعي تحقيقًا لا يقتصر على هوية منفذي الضربة، بل يفحص أيضًا استعداد البعثة، وقرارات الانتشار، وتدابير الإنذار المبكر، ومدى فاعلية التنسيق بين وحداتها. ومن دون ذلك، ستظل الحماية الأممية محكومة ببيانات تصف ما فعلته القوات بعد الكارثة، بينما يظل المدنيون بلا إجابات عن الإجراءات التي سبقتها.
وفي تحديد المسؤولية عن الهجوم نفسه، يجب الفصل بين مساءلة البعثة عن أداء مهمتها وتحديد الجهة التي أطلقت المسيّرات. فقد اتهم مسؤولون في منطقة أبيي الجيش السوداني بالمسؤولية عن الضربة. وفي بيان نشرته وكالة السودان للأنباء يوم 23 أكتوبر 2026، أفادت الوكالة بأن وزارة الخارجية والتعاون الدولي أصدرت بيانها مساء الخميس 22 أكتوبر، ونفت فيه بصورة قاطعة أي صلة للقوات المسلحة السودانية بالحادثة، معربة عن أسف الحكومة لسقوط ضحايا مدنيين. وهذا هو الموقف الرسمي السوداني المعلن، ولا يجوز تجاوزه أو استبداله باتهامات غير محسومة. وفي الوقت نفسه، يقتضي العمل الصحفي الدقيق أن تُنسب الروايات المتعارضة إلى مصادرها، وأن تُفحص الأدلة بصورة مستقلة قبل استخلاص النتائج. فاتهام الجيش السوداني لا يصبح حقيقة بمجرد تكراره، مثلما أن النفي الرسمي لا يغني عن التحقيق؛ فالمسؤولية تُحسم بالأدلة، لا بالاستنتاجات السياسية أو الإعلامية.
كما أن التقارير المتعلقة بشبكات إمداد الوقود المرتبطة بقوات الدعم السريع في المنطقة تشرح جانبًا من تعقيدات المشهد الأمني حول أميت، لكنها لا تحسم وحدها هوية منفذ الهجوم أو طبيعة الهدف الذي أصابه. وقد تناولت رويترز هذه الشبكات في تقرير نشرته يوم 23 أكتوبر، مشيرة إلى أن السوق كان جزءًا من مسارات إمداد مرتبطة بالحرب. غير أن وجود نشاط تجاري أو منشآت وقود يُشتبه في ارتباطها بإمدادات عسكرية لا يعفي أي طرف من التزاماته القانونية تجاه المدنيين، ولا يغني عن التحقيق في ظروف الضربة وحصيلة ضحاياها. وهذه نقطة ينبغي ألا تُستخدم لتشتيت الانتباه عن المساءلة الأساسية: تحديد من نفذ الهجوم، والتحقق من طبيعة الهدف، وفحص ما إذا كانت التدابير اللازمة لحماية المدنيين قد اتُّخذت، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
وقد دعا مجلس الأمن الدولي، في بيانه الصادر يوم 23 أكتوبر، إلى إجراء تحقيق كامل وشفاف وسريع، وشدد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الهجمات. لكن التحقيق المطلوب يجب ألا يتحول إلى مسار ضيق ينتهي عند تحديد الجهة التي أطلقت المسيّرات؛ بل ينبغي أن يشمل ظروف الهجوم، والأدلة المتعلقة بالهدف، وحصيلة الضحايا، وأداء منظومة الحماية الأممية قبل الهجوم وبعده. وعلى يونيسفا أن تنشر نتائج مراجعة واضحة لإجراءاتها، وأن تقدم تفسيرًا لتوقيت تحرك القوة الصينية وطبيعة التدابير التي كانت متاحة قبل الهجوم، وأن تعلن ما ستغيره لمنع تكرار ما حدث. كما أن امتلاك البعثة فرقًا مؤهلة وتقنيات متقدمة يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرتها على جمع المعلومات وتحليلها، بما في ذلك تحديد مصدر الهجوم، إذا كانت الأدلة والإمكانات الفنية تسمح بذلك. فالمحاسبة لا تكتمل بإدانة المنفذ وحده إذا كانت هناك أسئلة جوهرية بشأن إخفاق التدابير الوقائية.
لقد كشفت أميت أن وجود القوات الدولية وتقييمات جاهزيتها لا يكفيان وحدهما لضمان حماية المدنيين، وأن إعلان التعزيز الأمني بعد هجمات سابقة يجب أن يُقاس بنتائجه، لا بمجرد صدوره. لذلك، فإن القوات الصينية وقيادة يونيسفا مطالبتان بإجابات واضحة عن الاستعداد السابق للهجوم، وتقدير المخاطر، وانتشار القوات، وتوقيت استخدام معدات مكافحة المسيّرات، والإجراءات التي اتُّخذت بعد أحداث سبتمبر لتجنب تكرارها. وعلى التحقيق المستقل أن يحدد المسؤولية عن الضربة دون استباق للنتائج أو تحميل الجيش السوداني اتهامًا لم يُحسم بالأدلة. إن المدنيين في أميت لا يحتاجون إلى مزيد من البيانات التي تصف الاستجابة بعد وقوع الكارثة؛ بل يحتاجون إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وتغيير حقيقي في إجراءات الحماية. فالقوات التي تُنشر لحماية المدنيين يجب أن تخضع للمساءلة عن أداء مهمتها، والجاهزية التي تُعلنها يجب أن تُختبر بقدرتها على مواجهة المخاطر، لا بقدرتها على صياغة بيانات النجاح بعد أن يدفع المدنيون الثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى