Uncategorizedمنوعات وفنون

٤٣ عامًا على رحيلها.. من قتل الفنانة منى الخير؟ نصر الدين

نصر الدين عبدالقادر:

في يوم السبت الموافق ٢٦/ يناير/١٩٨٠م، حمل “الحمام الزجاج” الرسالة الأخيرة للفنانة العظيمة منى الخير، وهي تسافر في رحلتها نحو الأبدية الخالدة، بعد أن عبقت فضاءات الغناء السوداني بأجمل ما جاد به صوتٌ نسائي.

ذات أُصبوحةٍ من عام ١٩٣٧م، أشرقت ضاحية بري شرقي الخرطوم على شمسٍ صاحية، حين رأت الفنانة منى الخير (عيون المها)، نور الحياة لأمٍ من قبيلة الشلك، وأبٍ من أقاصي شمال السودان، فاختار لها أبواها اسم آمنة خير الله، ولكن مجموعة من الشعراء والموسيقيين على رأسهم الشاعر إسماعيل حسن، والموسيقار خليل أحمد، رأوا أن يختاروا لها اسما فنيا، فكان الاسم المعروف منى الخير.

الخلطة الحميمية بين الشمال والجنوب التي مزجت روح الفنانة وحياتها، كان لا بد أن يتجلى عنها ذلك الجمال الذي قال عنه الشاعر والملحن عبد الرحمن الريح “دا من الأصوات البتغطسني”، ولم يكن عبد الرحمن الريح يقصد الصوت، وإنما صاحبته، وهو ما أفصح به إلى الدائرة المقربة منه، وفقا لما جاء في كتاب ” من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان”، لمؤلفه الصحفي المتفرد والكاتب العظيم معاوية حسن يس، وهذه الموسوعة الفنية ربما تكون أعظم توثيق لتاريخ الغناء والموسيقى وشعراء الأغنية السودانية، حيث أطلق عليها الدكتور النور حمد (كتاب طبقات الفنانين) تشبها بطبقات ود ضيف الله في مناقب الصوفية.

وبالعودة إلى افتتان عبد الرحمن الريح بمنى الخير، يشير الكتاب إلى أنّ الذين عرفوا ود الريح عهدوا فيه حبه للجمال، ومنى في ذلك الوقت كانت آسرة وآخذة بذمام القلوب، ومن خلال الأغنيات التي قدمها لها ود الريح يتبين ذلك، ومنها:

يا منى عمري وزماني
قلبك ليه لساني

ومن أجمل الأغنيات التي قدمها ود الريح، وفيها شواهد على إنها نُظمت في منى الخير نفسها أغنية (عيون المها)، وفيها يقول:

الحب يا “مُناي” أشواق
وأنتِ الورد وأنا أهواك
سبحان الذي سواك
واهداك من بدايعو فنون
يا عيون المها يا عيون

لم تجد منى الخير صعوبة في ممارسة نشاطها الفني لجهة أنّ والدتها كانت تشجعها على ذلك لتساعدها في حمل أعباء المعيشة.

بدأت حياتها الفنية بترديد أغاني البنات الحماسية، أو ما يُعرف بأغاني السباتة، وكانت بيوتات الأعراس لا تنفك من استقدام منى الخير حتى تكون للعرس بهجته، وما تزال أغنيتها (الليلة يا نعومة) تشكل أكبر ملامح أغاني البنات.

تبناها بعد ذلك زمرةٌ من الشعراء والموسيقيين على رأسهم كما ذكرنا خليل أحمد وإسماعيل حسن وعبد الرحمن الريح وفتاح الله جابو، وعلاء الدين حمزة الذي أهداها (الحمام الزاجل).

سبقت الراحل محمد وردي، فظهرت في الوجود الفني النسائي بعد عائشة الفلاتية وفاطمة الحاج، وحين اشتد عودها ظلت المودة متصله بينهن وهي تولم لهن الولائم بمنزلها.

دورها في مسيرة وردي..!

وكان لمنى الخير دور كبير في مسيرة وردي الفنية بحسب ما أفادني مدير المنوعات والفنون بصحيفة التيار نوح السراج، وذلك حينما تنازلت له عن أغنية (يا طير يا طائر).

وعن سبب هذا التنازل يقول السراج: إن علي شمو الذي كان وكيلا لوزارة الإعلام وقتئذٍ، ذهب بوردي إلى إسماعيل حسن، ولم يجد عنده سوى هذه الأغنية الجاهزة، فاستأذن منى بقوله: ” نستأذنك يا منى الاغنية دي للود دا”.

عوضها إسماعيل حسن بأغنية (الحمام الزاجل)، ليجد وردي الفرصة لمداعبة منى الخير بقوله(كلو طير في طير)، وهو يقصد الأغنيتين.

وعن إجازتها من الإذاعة ذكر لي الباحث في التراث الدكتور أمير النور أنها واجهت أصعب لجنة إجازة للأصوات ١٩٥٦م لكنها أبهرت اللجنة وأجيز صوتها.

أهداها الشاعر سعد الدين ابراهيم واحدة من اجمل ما تغنت به أغنية ( أبوي ) وهي أول عمل يسجل للشاعر سعد الدين ابراهيم في الاذاعة السودانية عام 1974، وأهداها السر قدور أغنية (أعملك إيه).

فشل الزواج الأول لصاحبتنا لأن زوجها لم يكن مرتاحًا لمهنة زوجته، فانفصلا بالرغم من إنجابها لابنتها الوحيدة.

تزوجت مرة أخرى في العام ١٩٧٢م من المطرب الهاوي الطيب محمد إبراهيم، “الطيب سمسم”، وكان معجبا بها كثيرا، ويرافقها في الجلسات الخاصة ضاربا لها على العود.

استمر زواجهما لعامين، لأنهما حسب الطيب سمسم كانا يتعاملان كفنانين قبل كل شيء، لذلك ما كان يعكر خروج أحدهما إلى عمله صفو البال، ويقول إن سنتي الزواج من سنوات حياته.

رحلة المعاناة..!

بعد انفصالها من زوجها الثاني توقفت عن الإنتاج، ولم تعد تظهر إلا نادرًا، وحين هاجر طليقها الثاني إلى السعودية افتقدت إلى الرفيق، وسيقت ابنتها إلى بيت زوجها.

تملكتها الكآبة، فانعزلت عن الناس، وبدأت تدفن نفسها في عالم الوحشة والضياع، حتى رفاقها وأصدقاءها في الوسط الفني ابتعدوا حتى تغير من حالها.

دخلت في حرب ضروس مع الطعام حتى نحل جسمها، وهش عظمها، فنقص وزنها حتى لم تعد قادرة على الوقوف والحركة.

وفي السادس والعشرين من يناير/ كانون الثاني من سنة ١٩٨٠م، حملتها العصافير المغردة، والحمامات الزاجلة إلى رحلة الخلود الأبدية، حيث لا هموم ولا كدر.

لكن ما يزال اللغز محيرًا عن من المسئول في وفاة منى الخير. هل قتلها الحب؟ أم ظروف الحياة؟ أم أصدقاؤها؟ فكل الذين تعاملوا مع منى الخير من ملحنين وشعراء تنسرب من بين ألحانهم وأشعارهم محبتهم لها.

رحلت منى الخير عن عمرٍ لم يتجاوز الرابعة والأربعين سنة، لتخلد أروع صوت نسائي كما يقول معاوية حسن يس وتترك لنا ذاكرة حية ممثلة في ٥٠ أغنية بمكتبة الإذاعة.

نصر الدين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق