صحة وبيئةمقالات

الواقع المأزوم والمأمول في التعدين العشوائي

بقلم/ د. الفاتح يس:

alfatihyassen@gmail.com

لا جدال في أن الذهب من المعادن النفيسة، والسودان به كميات كبيرة من هذا المعدن النفيس في أراضي عدد من مدنه؛ وظهر التعدين العشوائي قبل أكثر من خمسة عشر عام بصورة كبيرة؛ بإستخدام مادتي الزئبق والسيانيد؛ اللذان يعملا خلل في النظام البيئي والسلسة الغذائية؛ جعلتنا نحن البيئيين نقلق على بيئتنا وعلى مصادر المياه.

السبب في ظهور التعدين العشوائي بهذه الصورة الكبيرة؛ ناتج من إرتفاع معدلات البطالة في وسط الشباب؛ والأسوأ من ذلك أن بعض الرعاة والمزراعين تركوا الزراعة والرعي، وذهبوا الي التعدين العشوائي؛ والسبب يرجع لأن مهنتي الزراعة والرعي عائدهما المادي غير مجزئ؛ وفي المقابل التعدين العشوائي للذهب ذو عائد مادي الكبير؛ لكنه يعتمد على الحظ ومن هنا بدأت مشكلة التعدين العشوائي الذي بسببه ترك الرعاة والمزراعين المشروعات الزراعية والرعوية (الإستثمار والاقتصاد الأخضر)، وذهبوا الي التعدين العشوائي الذي له آثار سلبية على المعدنين والبيئة ومصادر المياه.

المعدنون في التعدين العشوائي أغلبهم شباب ومزارعين ورعاه وليس لديهم اي علم ولا دراية بالتعدين ولا يعرفون المواد الكيميائية التي يستخدمونها في التعدين ولا آثارها السلبية على الصحة والبيئة على المديين القريب والبعيد؛ وهنا تكمن مشكلة؛ أضف الي ذلك أن أفراد وشركات التعدين العشوائي تختار مناطق للتعدين عشوائياً، ومن غير دراسة لطبيعة وجغرافية وتضاريس المنطقة، ولا تعمل تحاليل للتربة؛ لتعرف نسبة الذهب الموجودة فيه، ولا نسبة المعادن الأخرى ولا قُرب المنطقة من مجري السيل ومجري وشواطئ النيل، ولا يعرفون أن هذه الأرض تمتاز بالتربة الزراعية أم تصلح للرعي، وليست لديهم أي معلومات ولا بيانات؛ فقط يريدون إستخراج الذهب لجني المال؛ ولا يهمهم الآثار البيئية الصحية السالبة التي يفرزها التعدين العشوائي.

الذهب في الطبيعة نادر ما يوجد منفرداً نقياً، ويتواجد في باطن الأرض والتربة مخلوط بالشوائب والمعادن الأخرى، وهنا لابد من إزالة كل هذه الشوائب وإستخلاص الذهب لوحده؛ ولهذا إستخلاص الذهب من الصخور والتربة يمر بمراحل وطرق مختلفة، تبدأ بحفر الأرض ثم إستخراج الخام.

التعدين العشوائي للذهب يكون بحفر باطن التربة الي أعماق قد تصل إلى عشرون متر (أقل أو أكثر)، ويتم إستخراج الصخور والتراب وتكسيرها وطحنها؛ وطبعاً عملية التكسير والطحن تنبعث منها الاتربة والغبار اللذان يسببان أمراض الصدر والجهاز التنفسي للعاملين والسرطان (حمانا الله وإياكم)، بالإضافة إلى أن الرياح تنقل هذه الاتربة والغبار الي مسافات بعيدة، ومن هنا تبدأ مرحلة تلوث التربه ومصادر المياه بمخلفات التعدين.

يُستخدم الزئبق والسيانيد في عملية التعدين العشوائي لاستخلاص الذهب، ومعروف أنهما من المواد السامة الخطرة؛ التي تم منعها بموجب التشريعات الدولية، وبلدان كثيرة أوقفت إستخدام الزئبق حتى في أجهزة القياس مثل الأردن وغيرها من الدول التي تهتم بمواطنها وصحة وسلامة بيئتها.

الأثر البيئي السلبي للتعدين العشوائي يكمن في أن المعدنين يحفرون الأرض ويستخرجون التراب والصخور ويضعون هذا التراب في شكل أكوام كبيرة ويتركون هذه الحفائر والاكوام كما هي مكشوفة بعد عملية إستخلاص الذهب، وتكون هذه الحفائر وهذه الاكوام ملوثه بمواد التعدين مثل الزئبق والسيانيد؛ وخطورة هذه الحفائر وهذه الاكوام تكمن في أن الرياح تجعلها تتطاير وتحركها وتنقلها الي المناطق المجاورة وتلوث التربة والمراعي والأشجار خاصةً أشجار الفاكهة والخضروات، وأيضاً تلوث الأطعمة والاغذية والمشروبات المكشوفة والمياه السطحية. وتعتمد كمية تلوث هذه الاتربة والغبار على سرعة وإتجاه الرياح.

والأسوأ من ذلك في التعدين العشوائي يكمن في أن هذه الاكوام الترابية الملوثة بالزئبق والسيانيد تأتيها السيول والفيضانات وتدفعها الي المزارع والمراعي والمناطق السكنية ومجاري وشواطئ نهر النيل وروافده والوديان والخيران، خاصةً مناطق التعدين القريبة من مجري النيل مثل بربر ومنطقة أبوأحمد وغيرها من مناطق ومدن شمال السودان المحاذية لمجري نهر النيل.

السيانيد والزئبق مواد سامة تضر بالبيئة وصحة الإنسان والحيوان وتقتل الكائنات الحية البحرية والبرية كما حدث في دولة موريتانيا نفوق بعض الحيوانات بسبب المواد السامة الخطرة مثل الزئبق والسيانيد في التعدين.

ومن سلبيات الحفائر التي يتركها المعدنين مفتوحة بدون دفنها او تغطيتها؛ أن هذه الحفائر تمتلئ بمياه الأمطار والفيضانات وتدخل الي المياه الجوفية وتلوثها؛ وكمية التلوث تعتمد على تراكيز الزئبق والسيانيد ونوعية تربة وطبقات الأرض وعمق آبار المياه الجوفية.

المعدنين ليس لديهم اي معرفه بعمليات التعدين كما ذكرت أعلاه؛ وتكمن المشكلة هنا في أنهم يستخدمون الزئبق والسيانيد بكميات وجرعات وتراكيز عالية؛ ظناً منهم بأن هذا يزيد من عملية إستخلاص الذهب؛ وهذا تكمن الخطورة في سرعة تلوث التربة ومصادر المياه.

في التعدين العشوائي هنالك مصطلح شائع يسمى بــ (الكرته)، والكرته هي المتبقي من الذهب في التراب والذي لم يتم إستخلاصه، ويتم جمع هذه الكرته لإعادة إستخلاص الذهب المتبقي منها؛ وإعادة الاستخلاص فكرة صائبة في حد ذاتها من ناحية إقتصادية وبيئية؛ لكن تكمن خطورتها في أن المعدنين يبيعون هذه الكرته الي معدنين آخرين؛ وعملية إستخلاص الذهب من هذه الكرته تتم خارج منطقة التعدين في المناطق السكنية والأسواق؛ وهذا يزيد من نسبة إنتشار وتلوث الزئبق والسيانيد للبيئة، والشي الذي يُحمد عليه تم منع الإستخلاص من الكرته في الأسواق والمناطق السكنية؛ ونتمنى تنفيذ القرار بحذافيرها مع العقوبات الرادعة.

خلاصة القول أن التعدين العشوائي تسبب في تلوث البيئة ومصادر المياه؛ لكن هذا ليس هو نهاية المطاف؛ ويمكن وقف هذا التعدين العشوائي والسماح للتعدين الرسمي المتخصص، وإستخدام طرق صديقة للبيئة مثل طرق الفصل الفيزيائي، وإستخدام أجهزه وآليات حديثة بنظام مغلق، ويراعي الإشتراطات البيئية والصحية، ولا يسمح بتطاير الغبار والأتربه ويستخدم مواد صديقة للبيئة بدلاً عن مركبات السيانيد والزئبق السامة، وبالنسبة للمناطق التي تلوثت بمخلفات الزئبق والسيانيد؛ فـ يمكن معالجتها بإستخدام طرق المعالجة الحيوية (Bioremediation) بزراعة النباتات الغابية التي لا تؤكل والماصة للملوثات والمواد السامة، وبزراعة الأحياء الدقيقة مثل البكتريا، وعمل المفاعلات الحيوية في الأراضي ليتم التخلص او إمتصاص الملوثات والمواد السامة بواسطة الكائنات الحية (الأحياء الدقيقة).

د. الفاتح يس

أستاذ مساعد في عدد من الجامعات والكليات والمعاهد العليا وباحث مهتم بقضايا البيئة والمياه والمناخ والإقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق