مقالات

رحل من جعل الفلوت اصبعا سادسا في يده

كتب/ مصعب الصاوي:

كانت دهشتنا عظيمة ونحن في أول الصبا ندلف رواق المعهد العالي للموسيقى والمسرح لنجد في قاعة الدرس عازف الفلوت الأشهر حافظ عبد الرحمن،  وهو يتلقى علوم الموسيقى بشغف وتواضع جم وهو من هو مكانة وشهرة ونجومية بل ان موسيقى حافظ كانت تتردد عبر الإذاعة والتلفاز وكانت مقطوعة لو بهمسة لوردي فاصلة موسيقية ثابتة تلك الأيام.

كان مكان فصل الات النفخ هو مغارة السحرة بالطابق الارضي لعمارة المعهد وجميعهم نجوم وأقمار اميقو بقامته المديدة وحيويته الشديدة وفهمه العميق للموسيقى السودانية الكلاسيكية وكمال يوسف بهدوئه وفكره الثاقب المرتب وحليم ابن الجزيرة أبا الساخر المرح ومجدي فلوت درويش الموسيقى وكان لعميد المعهد العظيم بروفيسور الفاتح الطاهر محبة خاصة لهذا الفصل وقبل ان يصعد الى مكتبه يقف ساعات معهم وكان يوليهم رعاية واهتماما ابويا ظاهرا . كنا نرى بين هذه الكوكبة المبدعة حافظ باناقته الكلاسيكية المميزة فهو موظف علاقات عامة مرموق اظنه جاء مبتعثا من هيئة البريد والاتصالات وقتها واندرج بكل تواضع كطالب علم فالعلم كما قال البروفيسور يوسف بدري : ( ماعندو حد الا ود اللحد ) . ضاعف حافظ كطالب وكمثال نظرتنا لقيمة العلم وللمعهد العالي للموسيقى والمسرح والذي عرفنا لاحقا ان وردي نفسه وهو من هو لم يستنكف ان يلتحق به طالبا أول تأسيسه وكذلك عركي ومحمد ميرغني وعبد القادر سالم وعثمان مصطفى وعدد من الموسيقيين الرواد الذين لو كان الأمر مسالة شهرة ونجومية وعداد لما احتاجوا للجلوس في مقاعد الدرس ولكنه العلم الذي يطيل أمد الموهبة ويصقلها كما يخرط الجواهرجي جواهر المعدن .
لم يكن حافظ عبد الرحمن مجرد طالب كان به حنو أبوي عظيم على الزملاء والطلاب وساهم باسمه وعلاقاته الداخلية والخارجية في رفعة وتقدم المعهد ودعمه وتطويره أما اسلوبه الفني فيمكن ان نلخصه باختصار في ( سودنة الفلوت ) فانت لاتسمع من حافظ تلك الانغام والنوتات الغربية وانما تسمع الخماسي بكل شجنه تسمع ( تفة ) اللودا عند رعاة بادية الكبابيش وتسمح اصداء الجراري والمردوم في ربوع كردفان الممرعة وتسمع أصداء الحقيبة والحان كرومة وصوته المجروح بالعذاب وتجئ عبر فلوت حافظ مدينته التى نشأ فيها وأحبها ( بارا ) والوانا اخرى من المؤلفات الخاصة ومختارات لوردي ولفيروز وهي تغني لجبران عن الناي . العزاء موصول للدكتور الجميل كمال يوسف وللاستاذ عبد الحليم في مهجره في قطر ولمجدي ولكل أسرة الفلوت في أروقة المعهد وخارجه ولأحبابه على امتداد المسكونة.

نعم رحل حافظ عبد الرحمن ولكن (أنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود)

مصعب الصاوي
21 / ابريل 2023

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق