واشنطن تدير ظهرها للدعم السريع.. تصويت 9 يونيو وبداية نهاية الإفلات من العقاب!..

بقلم/ وائل عبدالخالق مالك:
في التاسع من يونيو 2026 المنصرم أضافت واشنطن فصلاً جديداً إلى ملف حرب السودان حين أقرت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي بأغلبية ساحقة بلغت 34 صوتاً مقابل 5 فحسب مشروع قانون H.R. 1939 المعروف بقانون مشاركة الولايات المتحدة في تحقيق السلام السوداني. لم يكن هذا التصويت مجرد إجراء تشريعي روتيني يضاف إلى أرشيف الكونغرس بل كان رسالة سياسية مدوية تتجاوز أروقة مبنى ريموند هاوس في قلب العاصمة الأمريكية. الرقم 34 صوت مقابل 5 على أرض الواقع السياسي يعني ببساطة أن القانون تجاوز الخطوط الحزبية ليصبح توافقاً استراتيجياً أمريكياً نادراً وأن قضية السودان باتت تحتل مكانة خاصة في وجدان صانعي السياسة الخارجية في أعتى عواصم العالم تأثيراً.
لكي نفهم دلالة هذا التصويت لا بد أن نواجه الأرقام بشجاعة. منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع المتمردة تحول السودان إلى أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم مع اثني عشر مليون شخص أُرغموا على مغادرة ديارهم. ووثقت وكالة الأمم المتحدة لبرنامج الغذاء العالمي أن 24.6 مليون شخص يعانون من جوع حاد ومليوني شخص يواجهون المجاعة أو خطرها. كما أن ثلثا السكان أي نحو 33.7 مليون إنسان باتوا يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية في عام 2026 وحده. وقد وثقت منظمة الصحة العالمية 201 هجوماً على منشآت الرعاية الصحية منذ بداية النزاع راح ضحيتها 1858 قتيلاً و490 مصاباً من العاملين الصحيين والمرضى. أما الفصل الأكثر ظلاماً في هذه الملحمة الإنسانية فهو دارفور حيث رصد تقرير صادر في فبراير 2026 ما وصفه بسمات الإبادة الجماعية في أعمال مليشيا الدعم السريع بعد سيطرتها على مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي. وأكد التقرير أنه على مدى ثمانية عشر شهراً شددت المليشيا حصارها على الفاشر وضاعفت قصفها العشوائي وشيدت سواتر ترابية حول المدينة لقطع الغذاء والإغاثة عنها وهو ما دفع وزارة الخزانة الأمريكية إلى توصيف ما يجري بأنه حملة إرهاب وقتل لا طائل منه حسب تقارير وزارة الخزانة الأمريكية.
أقرت الحكومة الأمريكية رسمياً بأن مليشيا الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية وأن الصراع السوداني لا يزال يمثل أسوأ أزمة إنسانية في العالم مع نزوح يتجاوز 14 مليون سوداني. وقانون H.R. 1939 الذي قدمه الممثلون غريغوري ميكس وسارة جاكوبس وزملاؤهم يستهدف فرض عقوبات على كل من يرتكب أو يمكن من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أو يعرقل وصول المساعدات الإنسانية الأمريكية. غير أن الجديد في هذه المرحلة يتجاوز نص القانون نفسه إذ قدم بالتوازي قانون منفصل بعنوان قانون تصنيف الدعم السريع إرهابياً هو قانون H.R. 8301 وهو يلزم وزير الخارجية ووزير الخزانة بإجراء مراجعة شاملة خلال 90 يوماً لتقييم إمكانية تصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية عالمياً. وهذا التصنيف إن تحقق سيكون الأقسى في تاريخ الأزمة السودانية.
قد يقول قائل ماذا سيغير تصويت في لجنة فرعية؟والإجابة تكمن في السياق التراكمي. فمنذ مطلع هذا العام فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ثلاثة قادة في مليشيا الدعم السريع بتهمة التورط في مجازر الفاشر وكانت المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي قد سبقا واشنطن إلى تلك الخطوة في ديسمبر 2025 ويناير 2026 على التوالي. كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شبكة تجنيد تضم ضباطاً عسكريين كولومبيين سابقين يقاتلون في صفوف مليشيا الدعم السريع في مؤشر على امتداد التورط الدولي في الحرب السودانية.
والأهم في كل هذا أن الإمارات العربية المتحدة هي الداعم الرئيسي لمليشيا الدعم السريع إذ تمدها بالسلاح والتمويل عبر قنوات تمر بتشاد وليبيا وإثيوبيا حسب تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الامريكي. وقد أعلن الممثل ميكس صراحة أنه سيواصل جهوده لتجميد صفقات الأسلحة الأمريكية الكبرى مع أبوظبي طالما استمر دعمها للمليشيا وهو موقف دبلوماسي بالغ الجرأة يكشف عن تحول نوعي في حسابات واشنطن الإقليمية.
السؤال المشروع الذي يطرح نفسه هو هل سيتحول هذا التصويت إلى قانون نافذ؟ إحصائياً لا يتجاوز احتمال صدور القانون عشرة بالمئة وفق تقديرات (GovTrack.us) في ظل الانقسامات السياسية ومتطلبات التوافق بين المجلسين. غير أن هذه الأرقام تغفل الحقيقة الأعمق وهي إن التصويت نفسه هو الرسالة وليس فقط القانون المحتمل. فحين تقر لجنة الشؤون الخارجية في مجلس نواب القوة الأعظم في العالم مشروعاً يجرم تصرفات مليشيا بعينها فإن ذلك يرسل إشارة لا تخطئها دول الخليج وأوروبا والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وهي إن منظومة الإفلات من العقاب التي أحاطت نفسها بها قيادة مليشيا الدعم السريع بدأت تتشقق. وفي سياق مواز تقدم السيناتور جيم ريش رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بتعديل على قانون تفويضات الدفاع الوطني يلزم بتقييم رسمي لتصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية أجنبية مما يعني أن الضغط التشريعي لم يعد حكراً على طرف سياسي واحد.
ما يجري اليوم يستحضر في الذاكرة حروباً أخرى انتهت لأن العالم قرر أخيراً أن يتذكر. يوغوسلافيا كانت تدمر قبل أن ينتبه الضمير الدولي. ورواندا سقطت في مئة يوم من الصمت. ودارفور نفسها نزفت سنوات قبل أن يسمى ما جرى بأسمائه الحقيقية. اليوم يصف مدير منظمة الإنقاذ الدولية في السودان ما يعيشه البلد بأنه أضخم أزمة إنسانية وثقها التاريخ. وإذا كان تصويت لجنة واشنطن يقر بهذا الواقع المدمر فإن الأثمان الحقيقية ستدفع في الميدان عبر تجفيف مصادر تمويل الحرب والتمرد وتتبع الأصول المجمدة وقطع خطوط الإمداد العابرة للحدود وإغلاق أبواب العواصم الغربية في وجوه القيادات المتورطة.
لا ينبغي لنا أن نبالغ في تفسير هذا التصويت كأنه نقطة تحول جذري. فالحرب مستمرة والتمويل السوداني من أموال الشعب يكاد يكون الأدنى تاريخياً إذ لم تتجاوز نسبة تغطية الاحتياجات الإنسانية 8 بالمئة في عام 2026. والدبلوماسية الإقليمية تتعثر والأرواح تزهق كل يوم بصمت مخيف. لكن ما جرى في واشنطن في 9 يونيو يحمل دلالة مختلفة لأول مرة منذ اندلاع هذه الحرب حين تجاوز المشرعون الأمريكيون الخطوط الحزبية ليقولوا بصوت واحد إن ما يرتكب في السودان لن يمر دون محاسبة. وهذا في سياق كان فيه السودانيون يتركون وحدهم مع جلادهم يمثل تحولاً لا ينبغي الاستهانة به. قد يصح أن هذا التحرك التاريخي لن يعيد الأرواح المزهقة لكن التاريخ حين يكتب بشجاعة قد يحول دون إزهاق أرواح أخرى.




