إقتصادمقالات

سقوط ورق توت الزكاة وموت دودة القز

صوت القلم

د.معاوية عبيد:

يقولون في بعض الروايات: (إن الشجرة التي استتر بأوراقها سيدنا آدم عليه السلام كانت شجرة توت، وعندما تسقط الورقة تنكشف العورات وهو كناية والله أعلم ) .
ففي فصل الخريف ، يصبح طول الليل أقصر وتنخفض درجات الحرارة، مما يؤدي إلى توقف إنتاج مادة الكلوروفيل الخضراء فتبدأ أوراق شجرة التوت في التحلل ويتوقف نقل المياه إلى الأوراق من خلال الأوعية
وبذلك تبدأ تتساقط الاوراق واحدة تلو الأخرى على شكل فرادى وجماعات ، و عادة يكون التساقط في فصل الشتاء بفعل الثلوج و الرياح .
حكمة سقوط ورقة التوت
هنالك حكمة طبيعية عظيمة من سقوط ورق التوت ، فعندما تسقط أوراق الأشجار تنبت اخري ، فعندما يحين خروج ( براعم ) ورق التوت وظهور الأوراق الغضة الرقيقة يحين في الوقت نفسه فقس بيض دود القز (دودة الحرير)
الدقيقة الصغيرة التي تتغذى على أوراق نبات التوت الغضة الصغيرة ، ولو تقدم فقس البيض عن موعده المحدد والمقدر لهلكت الديدان جوعا لعدم وجود أوراق نبات التوت الذي تتغذى عليه ، ولو تأخر الفقس لشاخت أوراق نبات التوت وتجلدت وتدعمت وأصبحت عسرة القضم والهضم على الدودة ، ولكن الأوراق والديدان يكبران سويا
وتقوى الديدان على قضم تلك الأوراق وهضمه . أيضا من الحكمة أن لا يتساقط ورق التوت بصورة كبيرة فهذا يدل علي شيخوخة الشجرة و جفاف اغصانها من شدة العطش لذلك يجب علي الزراع الاهتمام بري شجرة التوت بانتظام ونظافة اوراقها
ورق توت الزكاة
بدأ مسيرة الزكاة في السودان منذ قيام دولة المهدية وظهرت نواتها كمؤسسة في العام (١٩٨٣م ) عندما أعلن الرئيس النميري تطبيق الشريعة الإسلامية، نمت و ترعرعت و قوي عود شجرة توت الزكاة في تسعينيات القرن الماضي و أصبحت شجرة أصلها ثابت و فروعها في السماء تؤتي أكلها كل حين ، ويستظل بظلها الفقراء و المحتاجين ، وتطعم الجوعي من فقراء بلادي و امتدت افرعها الي خارج البلاد تحمل حرير ( دودة القز ) ، فأصبحت غطاء حريري ناعم الملمس دفيئا من زمهرير الشتاء ، وبضاعة غالية الاثمان فريدة من نوعها نباهي و نتفاخر بها بين شعوب العالم . إن شجرة توت الزكاة غرسها نفر كريم من أبناء شعبي ذكرهم الله فيما عنده في كتابه الكريم ( ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ) الحج ٤١ ، فهؤلاء الصالحين الذين غرسوا هذه الشجرة منذ ثمانينات القرن الماضي الان شاخت أوراقهم ، وبدأت في السقوط إما بسبب الموت أو بلوغ سن المعاش ، اخوتي الأعزاء ترجل عن دنيانا بالأمس القريب قائد ركب الزكاة الأسبق د. محمد عبد الرازق و سبقه الي دار الخلود مولانا محمد ابراهيم محمد ، الخواض ، عبد الوهاب محمد نور ، الخطيب ، النقر ، خليفة الصديق ، جبريل الحاج عبد الله ، طه الشيخ الباقر ، بشري المهدي ، الزمزمي ، عبد الوهاب عثمان و القائمة تطول و لا تسع لذكر هؤلاء العظماء من قيادات وموظفين وعمال و سائقي ورق توت الزكاة بالمركز و الولايات ، و هنالك أوراق تساقطت من اميزهم المشير جعفر نميري و علماء اجلاء من مجلس الامناء و غيرهم طيب الله ثري من قضي نحبه وان يجعل البركة فيمن ينتظر ، هؤلاء كان لها القدح المعلي في هذه المسيرة المباركة ، زرعوا و سقوا واهتموا بشجرة التوت و قدموا عصارة جهدهم و فكرهم ورأيهم و قرارهم حتي تبحر سفينة الزكاة في مسيرة مباركة تقدم ما تحمله من زاد للمحتاجين ، و ايضا ترجل عن دنيا الزكاة شباب قنع منهم من تنازل عن وظيفته من اجل ان ينعم آخرون بميزات افضل ، ومنهم من قضي نحبه و منهم من استشهد وهو يحمل السلاح في خنادق العمليات دفاعا عن الارض والعرض و منهم من كان في خنادق ميادين الزكاة دفاعا عن حقوق الفقراء و المساكين في كل بقاع السودان ، كل هؤلاء و أولئك نذروا أنفسهم لخدمة البلاد و العباد نسأل الله أن يجعل ذلك ذخرا لهم في الجنة .
هل علينا العام ( ٢٠٢٣ م ) ونحن نهمس في دواخلنا أن هنالك من يترجل عن هذه المؤسسة ببلوغه سن المعاش في نهاية هذا العام ولم نهئ أنفسنا لهذا منذ أعوام خلين ، لأننا غفلنا عن سقاية هذه الشجرة المعطائة، ولكن يأتينا الدرس و الضربة الصاعقة و نحن في غفلتنا بترجل زمرة خيرة من ورق توت الزكاة الي الدار الآخرة ، ولعل تساقط هذه الأوراق لن يتوقف و هذه سنة الحياة و نحن هنا لا نقول الا مايرضي ورسوله في الذين انتقلوا للدار الاخرة إنا لله و انا اليه راجعون ، أما الذين ترجلوا ببلوغ سن المعاش أو طواعية بالمركز و الولايات ، فهؤلاء و زملائهم الذين الآن بالخدمة وجب عليهم جميعا ان يقتدوا بقوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39].
وقوله تعالي : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)  سورة النور ، استخلاف في الارض من اجل سقاية شجرة التوت ورعايتها بصورة عادلة طاعة لله ورسوله ، حتي يبدل خوفنا أمناُ و نبني معادلة عادلة ، كمعادلة شجرة التوت ودودة القز حتي لا تجف شجرة توت الزكاة (العاملون عليها) و لا تموت دودة القز (المؤسسة و المحتاجين ) .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق