مقالات

عبابدة السودان.. مواقف وطنية عبر الأزمان

بقلم/ سيف الدين محمد أحمد أبونورة:

لكل مجتمع عاداته وتقاليده تختلف حسب البيئة والظروف التي ينشأ فيها الانسان، لكن الحال يختلف عند أهلنا العبابدة رغم انهم الأكثر تصاهرا وانتشارا بين قبائل السودان، ومع ذلك نجد العبادي يتحدى كل مايحيط به من مؤثرات ويتمسك بموروثاته ومسمى شيخ العرب.

العبادي يلمع أينما كان لذلك يُشّبّه عليه البرق القِّبْلي الذي يأتي في مقدمة المطر. رغماً عن النجومية ومعرفة أساليب النجاح والتحكم في مفاتيح الانتصار نجد العبابدة تأسياً بصفات جدهم الزبير بن العوام يستقبلون النصر بصبر وثبات دون فخر أو ضوضاء ويتراجعون عند المغنم ولحظة الشهرة لذلك ينطبق عليهم المثل (الما بعرفك بجهلك) فإذا وردت سيرهم يختزل الكثيرون تاريخهم العظيم فقط في مهنة التهريب ، متناسين جهلاً أو عمدا مواقفهم التاريخية الوطنية المشرفة عبر الأزمان.

دفاعاً عنهم ورفعا للظلم الواقع عليهم وتنويرا للذين يحترمون الحقيقة وفتحا للمهتمين ليكتبوا، أحاول في هذا المقال أن اذكر القليل من هذه المواقف، استعراضاً لبعضها منذ دخول العرب للسودان.

دخل العبابدة السودان عبر مصر بغرض التجارة والرعي مميزين ومتمسكين بعاداتهم ومهتمين بأنهم خبراء طريق واستمروا على هذا الحال مرورا بعهد الممالك حتى العهد التركي الذي اعتمد على العبابدة كخبراء ومرحلين وحماة قوافل برئاسة خليفة ود الحاج الذي اختلف مع الأتراك في تسليم بعض السودانيين الذين احتموا به في بربر مما جعل الأتراك يعلنون عليه الحرب والحريق هو ومن معه في بربر المخيرف، ومقابرهم موجودة حتى الآن بالقرب من مكتب بريد بربر الحالي.

وبما أن العبابدة وقفوا هذا الموقف القوي جرى صلح بموجبه تم تعيين ابن خليفة أي حسين بك خليفة مديراً لمديرية بربر، عندما كان السودان مقسما إلى ثلاث مديريات حكم من خلالها السودان الشمالي وشرقاً حتى سواكن وامتد وظل في حكمه حتى قيام الثورة المهدية وكانت تربطه علاقات مميزة مع السادة الغبش والتي تقع مناطقهم جغرافياً داخل نفوذ حكمه وتتبع لبربر، ومعروف علاقة الغبش بالامام المهدي وهي علاقة معلومة.

هذه العلاقه أفادت حسين بك في تلخيص الثورة المهدية بأنها ثورة دراويش ووجدت تعاطفا شعبيا بسبب حب السودانيين للدين الإسلامي، وحينما كثرت الضرائب من الاتراك مع الغلظة في جبايتها تقدم للخديوي بهذه الرؤية مقترحاً الانسحاب من السودان مؤقتاُ. وعندما جاء غردون من مصر متجهاً للخرطوم توقف عنده في مركز بربر وطلب منه تسليمه الضرائب والايرادات والمساعدة في إخماد الثورة المهدية مؤكداً له أنه جاء حكمداراً عاماً على السودان وهنا وقع الخلاف بينهم وقال حسين، مذكرا غردون بأن هنالك (فورمان ) آخر لإخلاء السودان وليس حاكما له وبهذا السبب تم استدعاء حسين بك إلى مصر لمحاكمته وذهب غردون مغرورا إلى الخرطوم وكانت النتيجة كما هو معلوم قطع الدراويش رأس غردون في الخرطوم.

ساند العبابدة المهدية في نسختها الأولى بكثير من المواقف منها معركة أبوطليح جنبا إلى جنب مع أهلهم الجعليين بقيادة العمدة ودنورة وأبناء عمومته والتاريخ المكتوب يشهد والشفهي يؤكد والنحاس والدروع والسيوف إلى آخره من أدوات الحرب موجودة في متحف العبابدة في حوش ود نورة.

أما في المهدية بعد وفاة المهدي وحكم الخليفة عبدالله الذي ارتكبت فيه أفظع الجرائم في أغلب مناطق السودان وكانت أسوأها مجزرة المتمة فقد كان للعبابدة موقفا واضحا في مجلس الأرباب عبدالله ود سعد والذي أقامه استعدادا للحرب عندما علم أن جيش حمدان أبوعنجة على الأبواب كانت نصيحتهم أن المعركة خاسرة ويجب أن تنتقل المتمة شرقا ولو مصر يا أرباب على المعركه نحن معك وعلى أتم الجاهزية بالمال والرجال وقد كان .. وعندما انتهت الحرب غير المتكافئة فرش  المك عبدالله ود سعد فروته مكبرا ومهللا حتى قطع رأسه .. وبنات المتمة ومن ضمنهن ابنة المك ترابطن بشعر الرأس والثياب ورمين أنفسهن في النيل مفضلات الموت على السبي والاغتصاب .
ساعد العبابدة الفارين والمتضررين
من الحرب فى الاستقرار فى مناطق إقامتهم .
نقول ذلك ليس من باب المن، فالعلاقة بيننا واخوالنا الجعليين هي تاريخية ومميزة تقاسم فيها الطرفان الحلو والمر.

هذا يقودنا إلى أهم حدث ألا وهو
معلومه تهريب العبابدة لسلاطين باشا، فبعد أن قضت الجهادية على الأخضر واليابس وفاق الوضع الخطر، اجتمع الجعليون بالعبابدة وكونوا وفدا إلى مصر بغرض إنهاء حالة الفوضى وبعد تقديم الشكوى طلب الانجليز إحضار سلاطين باشا النمساوي المسجون عند الخليفة عبدالله وهو يمثل قلم المخابرات العالمية آنذاك ويعرف التفاصيل ونقاط القوة والضعف والظلم في السودان وإحضاره كان مهما لبناء خطهطة ترتيب السودان، هذه المهمة كُلف بها العبابدة لأنهم يعرفون الطريق ويحفظون السر ويحترمون العهود وكانت المهمة إنسانية وليست تجارية.

في عهد الانجليز وبعد استقرار السودان شارك الكثير من أبناء العبابدة في الجمعيات الوطنية وغيرها من المؤسسات النضالية واتجه أغلبهم إلى الاتحاد الديمقراطي وشاركوا من خلاله في استقلال السودان .

فاتنا أن نقول في عهد الخليفة قاوم العبابدة الظلم في معركة المرات القريبة  من قبقبة الحالية تحت قيادة صالح بك حسين بك خليفة الذي اصيب وقبل ان يستشهد سلم الراية لشقيقة عبدالعظيم بك الذي خلد مواقف قوية لا نذكرها باعتبار أنها من المسكوت عنه في تاريخ السودان.

وفي عهد الانجليز عبد الله ود جادالله العبادي كسر قلم ماك مايكل اي كسار قلم ماكميك.

مر على السودان نواب رؤساء ولكن التاريخ سجل المواقف المشرفة المتعددة لنائب الرئيس عبود اللواء أحمد عبدالوهاب.

العبابدة هم الخبراء الذين شاركوا في تحديد خط السكة الحديد ومع ملاحظة أن مدير السكة الحديد ومدير الموانئ البحرية هو العبادي التجاني خليفة المسمى حي ديم تجاني في بورتسودان تخليدا لذكراه ، وأول ساعي بريد وهو الشاعر العبادي ودالفراش ويحمل شعار البريد فى السودان صورة الجمل رمز الصحراء والعبابدة.
اللواء مزمل غندور وزير داخلية نميري وأول دفعته على مستوى الشرق الأوسط، والعميد صلاح الدين كرار وقائمة الذين اسهموا في بناء السودان الحديث من أبناء العبابدة طويلة حتي عهد الفريق أول صديق عامر مدير الاستخبارات العسكرية في أواخر عهد الرئيس البشير،  وبروف إبراهيم غندور وزير الخارجية ومدير جامعة الخرطوم. وبمناسبة جامعة الخرطوم يعتبر غندور العبادي الثالث الذي يدير جامعة الخرطوم،  ونشير هنا إلى موقف غندور  عندما شكا وبكى وهو وزير خارجية من داخل قبة البرلمان أثناء الجلسة منتقدا سياسة النظام تجاه العمل الخارجي متحملا نتيجة الغضب والسخط الذي مورس عليه من قبل المؤتمر الوطني.

مواقف الفريق الفاتح عبدالمطلب ابن القبيلة البار الذى خدم الوطن حتى فقد أحد أطرافه فى أحراش الجنوب وواصل فى خدمة أهله ووطنه ومنطقته حتى فقد رجله الأخرى ولم يثنه ذلك عن العمل والتضحية من أجل الوطن والأهل حتى وفاته، وشقيقه اللواء عمر عبدالمطلب الذى دفع وظيفته بموقف مبدئي وأخلاقي اتجاه زميله صلاح قوش.
هنالك في الجبال الشرقية وجود للعبابدة بقيادة العمدة دفع الله ديدان الذي قدم ابنائه أروع الامثلة والتضحيات في دحر التمرد حتى استشهدوا دفاعا عن تراب الوطن الغالي، أما ناصر عوض الله ( نويصر ) الراحل فهو قصه تحتاج إلى كتاب بأكمله.
عمنا الناظر الراحل احمد الباقر عندما كنا نفكر في كيفية مقاومة اتفاقية جوبا سيئة الذكر الظالمة تشاورنا معه بالوقوف مع الناظر ترك، لم يتوان وتقدم نحوه وهو يعتبر من اوئل النظار الذين شكلوا النواة الاولي لمجلس البجا وظل صامدا مع ترك حتى رحل عن هذه الدنيا الفانية مخلفا وضاربا أقوى المواقف.

بعد التغيير توجهت قيادات العبابدة المنقسمة نحو النظام الجديد بقلب مفتوح أي نحو الرئيس البرهان ونائبه الأول آنذاك حميدتي شأنهم شان أغلب القبائل التي ظُلمت وتهمشت في عهد الإنقاذ آملين في الحلول خاصة قضايا التعدين، نتج عن ذلك علاقة واضحة مع الدعم السريع دون التقليل من احترام القوات المسلحة وقائدها البرهان الذي اجتمعنا معه عدة مرات عبر اللواء أحمد خالد نورة بغرض المساندة والتأييد وعكس قضايا الأهل والعشيرة.

والعلاقة مع حميدتي لم تحقق نتيجة في الجانب الاقتصادي أو الخدمي وبدأ التراجع وخاصة في المحور العسكري والسياسي وبدأ ذلك بمراجعة واضحة عبر نقاش ومواجهات ومقالات منشورة في الصحف (صحيفة الساقية).

أكثر ما أخاف العبابدة هو عدم الفائدة وكثرة الوعود وأسلوب التفرقه أي تقديم الإمارة على النظارة وتأخير مجلس الشورى وتارة مساندة مجلس العمد. أيضا اسلوب حميدتي غير المرضي تجاه الشمال ومحاولة إبعاد الشمال عن الشرق وتشتيت الشرق.

اهتمام العبابدة بالشمال والشرق نابع من وجودهم في مناطق التداخل بين الإقليمين.

المعاداة الواضحة لمصر مثلما الأسباب الأولى تضع القبيلة في حرج وانعزال مع قبائل المنطقة اما السبب الأخير فإن القبيلة مشتركة ومتداخلة.
لذلك أصبحنا نحذر القيادات والقواعد في الخرطوم وفي الشمال والشرق لأنهم الأكثر عددا وقربا مع ملاحظه تسارع وتيرة تأزم الوضع السياسي والأمني في السودان وأصبحت ملامح الحرب واضحة في تلك الفترة.

اكثرنا التواصل في بداية رمضان والذي في نهايته بدأت الحرب، اكتملت الفكرة عند الكل وكانت أصلا كل البرامج قد تغطلت مع الدعم السريع عبر مذكرة تقييمية صاغها الحادبون على مصالح العبابدة، المهندس محمد هجين والعمدة حسن علي إبراهيم وبقية العقد المناضل بعد التشاور مع أغلب مكونات العبابدة، وتم تسليم هذه المذكرة عبر وفد إلى قيادة الدعم السريع.

لهذه التحركات وإعلانا لهذه المواقف تواصلنا مع عدد من زعماء القبائل وكان مسك الختام أن رافقت الأخ اللواء أحمد خالد نورة للتشاور مع أهلنا في نظارة عموم الجعليين عبر المتحدث باسمهم السياسي المخضرم الأرباب ود عشرة الذي تربطه بالعبابدة علاقات متعددة وهو يعتبر القائد المجتمعي الأول في مناطق شندي بنهر النيل ومن ثم ناظر عموم الجعليين ود البيه واتفقنا على موقف واضح وهو مساندة وتأييد القوات المسلحة ومن ثم قمنا بمقابلة اللواء ركن حمدان عبدالقادر داؤود، قائد الفرقه الثالثة مشاة بشندي، وهو رجل للأمانة والتاريخ يتجسد فيه شعار جيش واحد شعب واحد وهو قائد حقيقي ويجب أن نشكر الله على جوده في هذه الظروف، ومن خلال لقاءاتنا به اتضح انه قائد جاهز وفاهم لدوره.

رتب لنا اللواء لقاء مع والي ولايه نهر النيل الذي كان مهيئا للفكرة وحدد لنا يوم ١٧ رمضان تيمنا بمعركة بدر الكبرى  وأقيم الإفطار ثم اللقاء الجماهيري بمنطقة حوش ود نورة مركز عمودية ود نورة التاريخية فقد كان لقاءا حاشدا جاء الوالي وأجهزته الأمنية وجاء قائد الفرقة حمدان وكل أركان حربه شرف اللقاء قيادات العبابدة في السودان وجاء الجعليون يتقدمهم الناظر محمد إبراهيم ود البيه وتشرفت بتقديم هذا البرنامح وكان العبابدة على قلب رجل واحد أمام الدولة والشعب معلنين عن موقفهم ومؤكدين موقفهم الواضح مع القوات المسلحة.
تطورت هذه المبادرة على هذا الموقف الثابت وتواصلت المجهودات بنفس الترابط جعليين وعبابدة حتى بعد قيام الحرب وساعتها جد الجد وقدم الدعم المادي والعيني والاستنفارات التي عمت الولايه بأكملها ثم باهتمام من السيد الوالي ومتابعة وترتيب من اللواء حمدان عبدالقادر.

واصلت اللجنة المكونة من الناظر ود البيه والأستاذ محمد عبدالله عشرة واللواء احمد نورة وآخرين أعمالها على المستوى القومي وزارت أغلب ولايات السودان والتقت في كل ولاية بالجهاز التنفيذي والأمني والشعبي والإدارات الأهلية وبعد التبشير بالفكرة والتشاور تم الاتفاق على ملتقى القبائل في السودان في حاضرة نهر النيل الدامر في يوم ١٧/٩/٢٠٢٣ وقد كان لقاءاً قوميا مهيباً تلاقحت فيه الأفكار وخرج المؤتمرون بقرارات واضحة منها التأكيد على الوقوف مع القوات المسلحة وإدانة الدعم السريع وأهمية وحدة السودان ومناقشة خارطة طريقة الحكم مابعد الحرب.
منذ بداية هذه الحرب اللعينة يدور حديث همساً حتى اصبح جهراً وهو وقوف العبابدة مع الدعم السريع فهو حديث عار من الصحه وسطحي ساذج وحتى عندما يبدأ النقاش يتم التركيز والاتهام بالباطل علي أمير العبابدة سيد صالح ، في هذا المقال أكدنا بالدليل على موقف العبابدة مع القوات المسلحة ولتأكيد المؤكد نقول إن أمير العبابدة هو شخص ليس سياسيا ولا هو رئيس حزب ولايمتلك سلاحا ولم يوقع على الاتفاق الإطاري فهو شيخ عرب ورجل أعمال يمتلك مجموعة مستشفيات البراحة الطبية وبعض الاستثمارات ويمتاز بالقدرة على عمل علاقات عامة مفتوحة مع البرهان وحميدتي والحركات خاصة مالك عقار والجبهة الثورية و اسامة سعيد والجاكومي وغيرهم .

السؤال المركزي: هل هنالك عبادي حارب أو احتل منزلا أو أيد الدعم السريع ؟! الإجابة: لا .. .

إن كان هنالك قبيلة واحدة في السودان لم يشارك منها أحد في الحرب مع الدعم السريع فهي  العبابدة.

أقوم بهذه المرافعة من منطلقات ثابتة ومؤكدة رغم الخلافات بيننا كقيادات في المراحل السابقة.
نختم ونقول بعيدا عن الجهوية والعنصرية والضغائن الشخصية والممارسات السياسية الفاشلة التي أوصلت البلاد والعباد لهذا الدرك السحيق  نتمنى من الله أن يخرجنا منه وأن يعود السودان آمنا مستقرا وتعود عاصمته الخرطوم التي كانت مضرب المثل في الأمن والأمان كما كانت وهذا لا يتأتى إلا بصدق الحس الوطني وتوفير مبدأ التعاون والإخاء والمحبة.
نتمنى من جميع السودانيين رفع شعار عمنا وشاعرنا إبراهيم العبادي:
جعلي ودنقلاوي وشايقي إيه فايداني غير أسباب خلاف خلت أخوي عاداني خلو نبانا يوصل للبعيد والداني

يكفي النيل أبونا والجنس سوداني

معذر وهذه مقتطفات لم نذكر كل الرموز والقادة والمواقف لضيق المساحة

في ختام المقال باسم جميع العبابدة نترحم على روح عمنا شيخ العرب أحمد سلمان عقيد شيخ العشاباب وزعيم التلواب الذي رحل عن هذه الدنيا في الأيام الفائتة بعد أن صال وجال وقدم تاركا أفضل المواقف وسيرة عطرة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق