مقالات

عاشق الكواليس.. في رحيل الزميل العزيز الدكتور عبد المنعم عوض الكريم

بقلم/هشام عباس زكريا:

في ليلة الأحد 9/3/2024 بحي المجاز بالشارقة، اختلطت مشاعر الحزن بالأسى المسافر عبر البحر ونحن جلوس في عزاء أستاذنا الدكتور عبد المنعم عوض الكريم بمنزل شقيقه بدر الدين، في تلكم اللحظات قرأت قرون استشعار الود مواقف خالدة في ذهننا رسمها الصديق العزيز الأكاديمي ورجل المجتمع الدكتور عبد المنعم عوض الكريم عبد الرحمن أستاذ الرياضيات بكلية الهندسة والتقنية بجامعة وادي النيل وأحد بناتها وقادتها ومؤسسيها.
في قرية العكد الوادعة بولاية نهر النيل كان الميلاد والنشأة في بيئة متدثرة بالتدين والخلق الرفيع ،كان عبد المنعم الشاب الورع المتفوق في دراسته واللاعب الفنان في كرة القدم،والداعية اللطيف الذي يستحى أن يخدش أي أحد بكلمة، عبر سوق عطبرة حيث كان يساعد والده في التجارة سنوات دراسته تعرف على مجتمع ولاية نهر النيل باكراً فصنعت منه هذه المزاوجة بين التجارة والرياضة والدعوة إنساناً مختلفاً تلبسته روح التواضع والانصهار السريع مع المجتمعات ،كانت مدرسة عطبرة الثانوية القديمة التي التحق فيها العام 1967 مرحلة مهمة في حياته، وعن هذه المرحلة يقول دفعته في عطبرة القديمة أستاذنا صلاح العمرني (كان طاهر القلب واللسان، ورغم نشاطه السياسي لم يكن عدوانياً ظل مرناً وعادلاً في تعامله، تسبقه ابتسامته الصادقة التي جعلت كل من خالطه وجايله يحترمه، خاصة وقد مرت فترة دراستنا بأحداث سياسية كانت سبباً في المشاحنات والخصومات بين التيارات السياسية فلم تزد المرحوم إلا احتراماً له من خصومه من الكيانات السياسية الأخرى ،رحم الله دكتور عبد المنعم فقد طبق مبدأه وعقيدته في التعامل بكل رقي ، وأشهد له بذلك حتي بعد انضمامه لجامعة وادي النيل في هيئة التدريس كلما جمعتنا مناسبة في عطبرة تسبقه ابتسامته المميزة).
بعد ذلك التحق الدكتور عبد المنعم عوض الكريم بكلية العلوم الرياضية بجامعة الخرطوم في العام 1971 وهنا برز دوره الاجتماعي والرياضي حيث كان كابتن فريق الكرة بالكلية واحتفظ بعلاقات طابعها الوفاء والود لأبناء دفعته، ثم التحق بعد ذلك وفي العام 1977 مدرساً للرياضيات بكلية عطبرة الميكانيكية قبل قيام جامعة وادي النيل، ويقول رفيق دربه الذي سبقه بعام واحد في الكلية البروفسير محمد إبراهيم شكري(التحق بنا في الكلية في العام 1977 شاب يحمل صفات الريف وذكاء الأكاديمي المتطلع حيث كان عميد الكلية هو البروفسير المرحوم صابر محمد صابر ومعه الجيل المؤسس البروفسير الفاضل آدم والأستاذ إبراهيم أحمد الحاج والشاب الصغير في ذلكم الوقت القادم من أوربا البروفسير محمود يسن والأستاذ أحمد سليمان داؤود والبروفسير العقاب وغيرهم من الجيل الذهبي، ويذكر البروفسير شكري أنه أوكلت له مهمة تدريب الدكتور عبد المنعم في ورش الكلية لإدماجه في العمل باعتباره جاء من ميدان مختلف عن الهندسة، بعد ذلك تم اسناد تأسيس وحدة الاستشارات والاتصالات الصناعية لأستاذنا الدكتور عبد المنعم فسافر إلى بريطانيا ونال دورات في هذا المجال ثم الماجستير في الرياضيات وعاد من هناك في العام 1981 وأبدع في تأسيس هذه الوحدة حتى غدت رافداً استثمارياً معتبراً للكلية.
وعند قيام جامعة وادي النيل الكبرى في العام 1990 التي كانت تضم جامعات دنقلا ووادي النيل وشندي كان الدكتور عبد المنعم عوض الكريم أحد بناة هذا الصرح مشاركاً في تأسيس الكليات وبناء المناهج، وكان العام 1994 عاماً مهماً حيث استقلت هذه الصروح وفي هذا التاريخ التقينا بالدكتور عبد المنعم عوض الكريم هو بخبرته الكبيرة ونحن شباب في مقتبل العمر فلم يبخل علينا بعلمه وخبرته فكان زميلاً ومعلماً وأستاذاً لنا.
إذا كانت (القولد) قد ارتبطت ب(الصديق) في نشيد الجغرافيا الشهير فإن جامعة وادي النيل قد ارتبطت بصديقنا الفاضل الدكتور عبد المنعم عوض الكريم ،فقد عمل فيها مؤسساً وعميداً للطلاب لفترة طويلة ثم أميناَ للشؤون العلمية وعميداً للدراسات العليا ومؤسساً لأفرع الجامعة بالخرطوم منذ فرع أبو حمامة وحتى الفرع الحالي بأم درمان.
إن شخصية الدكتور عبد المنعم عوض الكريم يمكن النظر إليها من عدة أبواب، فهو الأكاديمي المميز الذي لم يغره النبوغ وإنما زاده تواضعاً، فقد كان مرتبطاً ب(العكد) حد الارتباط حتى قُرن اسمها باسمه، وفياً لزملائه حد الوفاء ، فهو حتى في مرضه الأخير يتصل علينا متفقداً لأحوالنا، كان للدكتور عبد المنعم عوض الكريم قدرة كبيرة في تحويل الأفكار إلى أعمال كبيرة، يفعل ذلك ويظل خلف الكواليس ،ولا يعطيك احساساً أنه صاحب كل هذه الإنجازات، قرن الإدارة بالإبداع والصبر على الناس والعمل مع الفريق دون تمييز نفسه أنه مدير، لم يعرف المكاتب الفارهة والأثاث الفخم، تجده دوماً يحمل أوراقه وحقائبه وهو في حركة ميدانية من مكان لمكان ،ظلت سعادته سعادة الآخرين ،وراحته في استقرار زملائه، ووهب كل حياته لجامعة وادي النيل التي لم يغادرها منذ التعيين وحتى التقاعد عن العمل لبلوغه السن القانونية، وهي حالة نادرة يجب أن يسجلها تاريخ الجامعة تحسب له ولأصدقائه أمثال البروفسير محمد إبراهيم شكري والبروفسير محمود يسن وغيرهم من هذا الجيل النادر.
إن قصة الدكتور عبد المنعم عوض الكريم يجب أن تروي للجيل الحالي من الأكاديميين لما لها من عبر ومواقف خالدة ،وأقدم اقتراحاً لابن الجامعة ومديرها البروفسير حسن الصائم أن يبتدع يوماً سنوياً باسم يوم التأسيس لتكريم مثل هؤلاء المؤسسين وعرض سيرهم وانجازاتهم وفاء لعطائهم.
أختم هذا المقال القصير في تاريخ طويل لرجل نادر بالدعاء له بالرحمة والمغفرة وتقديم العزاء لأسرته الصغيرة والأهل بالعكد وكل ولاية نهر النيل ولزملائه وطلبته ولكل ركن في جامعة وادي النيل التي أرهقه حبها وعشقها.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق