مقالات

السودان وهبة الشمس: فرصة ضائعة أم منحة غير مستغلة؟

رؤية خاصة

بقلم/ بروفسير أحمد عبيد حسن:

بعد أكثر من عام على نشري لمقالي السابق بعنوان الطاقة الشمسية: حل مستدام يعيد الحياة للمصانع السودانية بعد الحرب، ما زلت أتابع عن قرب ما يطرحه الصناعيون في مجموعاتهم ومنصاتهم المختلفة من شكاوى متكررة حول استمرار أزمة الكهرباء، وتعقّد الحلول، وصعوبة الحصول على تمويل يمكّنهم من إعادة تشغيل مصانعهم بكفاءة. فبين عجز الدولة عن توفير التمويل اللازم لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتراجع قدرة أصحاب المصانع أنفسهم على تحمل كلفة الحلول التقليدية، بات واضحًا أن الأزمة ما زالت قائمة، وربما تتعمق أكثر مع مرور الوقت.
من هذا الواقع، أعود اليوم للحديث مجددًا عن الطاقة الشمسية، لا بوصفها فكرة نظرية أو خيارًا ثانويًا، بل كحل عملي يمكن تطبيقه اليوم قبل الغد، إذا ما أُعيد النظر إليه بعين مختلفة. فالتحدي لم يعد في توفر الشمس أو جدوى التقنية، بل في كيفية تحويل هذا المورد المتاح إلى حل واقعي يخفف أعباء الصناعة، ويفتح بابًا للخروج من دائرة الانتظار الطويلة لحلول قد لا تأتي قريبًا.
السودان بلد وهبه الله طقسًا مشمسًا يمتد طوال العام تقريبًا، حيث تسطع الشمس لساعات طويلة يوميًا، مما يجعله من أكثر الدول المؤهلة للاستفادة من الطاقة الشمسية كمصدر رئيسي للكهرباء. ولكن، رغم هذه الميزة الطبيعية التي لا تتوفر في العديد من الدول المتقدمة، لا يزال السودان متأخرًا في تبني هذه التقنية، في وقت تعتمد فيه دول مثل ألمانيا والسويد وكندا – التي تعاني من شتاء قارس وساعات شمس قليلة – على الطاقة الشمسية بشكل متزايد لتوليد الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
يعاني كثير من أصحاب المصانع من قلة الوعي بالإمكانات الحقيقية التي يمكن أن توفرها الطاقة الشمسية، خاصة في تشغيل خطوط الإنتاج الصناعية. فالكثيرون ما زالوا ينظرون إلى الطاقة الشمسية باعتبارها حلًا مكلفًا أو محدود الفائدة، بينما الواقع يؤكد عكس ذلك تمامًا. الطاقة الشمسية ليست مجرد رفاهية، بل هي حل عملي يمكن أن ينقذ الصناعة السودانية من أزمة الكهرباء.
نجد ان كثير من المصانع في المناطق الصناعية في الخرطوم بحري وامدرمان والباقير وغيرها من المناطق الصناعية تمتلك مساحات كبيرة غير مستغلة فوق أسطحها، وهذه المساحات يمكن أن تتحول إلى محطات طاقة شمسية صغيرة تساعد في تشغيل خطوط الإنتاج، بدلاً من الاعتماد الكلي على شبكة كهرباء غير مستقرة.

في الحقيقة أن أسطح المصانع تمثل مساحات مهملة يمكن استثمارها بسهولة كمحطات إنتاج طاقة، دون التأثير على النشاط الصناعي نفسه، هذه المساحات غير المستغلة تُعد رأسمالًا صامتًا يمكن تحويله إلى مصدر دائم للكهرباء، يخفف الاعتماد على الشبكة العامة ويقلل تكاليف التشغيل بشكل كبير. إن فرص الاستفادة من الطاقة الشمسية داخل المصانع لا تقتصر على أسطح المباني فقط، بل تمتد لتشمل كل المساحات غير المستغلة داخل حرم المصنع، مثل الساحات المفتوحة، مواقف العربات، والمناطق المحيطة بخطوط الإنتاج. هذه المساحات غالبًا ما تُترك دون استخدام فعلي، بينما يمكن تحويلها إلى مصدر طاقة فعّال عبر أنظمة شمسية ذكية مصممة خصيصًا للبيئات الصناعية. هذا التكامل يسمح للمصنع بالاستفادة القصوى من كل متر مربع داخل الموقع الصناعي.
تتميز أنظمة الطاقة الشمسية الحديثة بعمر تشغيلي طويل يصل إلى ثلاثين عامًا وأكثر، مع ضمانات ممتدة تقدمها الشركات المصنّعة تغطي كفاءة الأداء وجودة المكونات طوال هذه المدة. ولم تعد هذه الأنظمة تعتمد على المتابعة التقليدية، بل أصبحت مزوّدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تراقب الأداء بشكل مستمر، وتكشف أي خلل أو تراجع في الكفاءة فور حدوثه.
وتتيح هذه التقنيات تقديم دعم فني فوري ومعالجة الأعطال عن بُعد في كثير من الحالات، مما يقلل زمن التوقف ويضمن استمرارية التشغيل بأعلى كفاءة ممكنة. وبذلك لا تُمثل الطاقة الشمسية مجرد حل مؤقت، بل استثمارًا طويل الأمد يتمتع بالموثوقية والاستدامة، ويمنح أصحاب المصانع راحة تشغيلية واستقرارًا حقيقيًا لسنوات طويلة.
كثير من أصحاب المصانع الذين تحدثت معهم ينظرون إلى أنظمة الطاقة الشمسية على أنها عبء مالي إضافي في وقت يعانون فيه أصلًا من صعوبة توفير تكاليف الكوابل، والمحولات، والمساهمات المطلوبة لإعادة تشغيل المحطات التحويلية. هذا الشعور مفهوم، لكنه في الحقيقة ناتج عن مقارنة غير مكتملة بين “تكلفة فورية” و“تكلفة ممتدة عبر الزمن”. فعند النظر بعمق، يتضح أن الطاقة الشمسية قد تكون أقل تكلفة بكثير من الحلول التقليدية التي تستنزف الأموال دون أن تقدم استقرارًا حقيقيًا.
فعلى سبيل المثال، المبالغ التي تُدفع اليوم لإعادة تأهيل الشبكات أو شراء الوقود للمولدات أو صيانة الأعطال المتكررة، هي مصروفات مستمرة لا تتوقف، بينما أنظمة الطاقة الشمسية تُدفع تكلفتها مرة واحدة، ثم تبدأ في إنتاج كهرباء شبه مجانية لعشرين أو ثلاثين عامًا. كما أن جزءًا كبيرًا من تكلفة الطاقة الشمسية يمكن تقسيطه على عدة سنوات، وهو ما يجعل العبء المالي الشهري أقل بكثير من كلفة تشغيل المولدات أو المساهمة المستمرة في صيانة الشبكات التقليدية.
إضافة إلى ذلك، فإن الأنظمة الشمسية الحديثة مصممة لتقليل الصيانة إلى الحد الأدنى، ولا تتطلب وقودًا أو قطع غيار مستمرة، وهو ما يخفف الضغط المالي على المصانع في المدى المتوسط والطويل. وعند احتساب مجموع ما يُدفع سنويًا للكهرباء والوقود والصيانة، يتضح أن الطاقة الشمسية ليست خيارًا مكلفًا، بل في كثير من الحالات هي الحل الأرخص والأكثر استقرارًا.
باختصار، المشكلة ليست في أن الطاقة الشمسية باهظة، بل في أن كلفتها تُدفع مرة واحدة بوضوح، بينما تتوزع كلفة الحلول التقليدية على دفعات صغيرة لكنها لا تنتهي. وعندما تُحسب الأمور بمنطق الاستثمار لا بمنطق الصرف الآني، يتبين أن الطاقة الشمسية هي الخيار الأكثر عقلانية وأمانًا للمصانع في الظروف الحالية
الأهم من ذلك أن هنالك شركات متخصصة في هذا المجال اتصلت بنا في اتحاد الغرف الصناعية تعرض تقديم حلول متكاملة تشمل التصميم، والتنفيذ، والصيانة، وتوفر حلولًا متكاملة للطاقة الشمسية موجهة خصيصًا للقطاع الصناعي، مع أنظمة تمويل ميسّرة تصل إلى ثلاث سنوات، مما يزيل عبء التكلفة المبدئية عن أصحاب المصانع ويحوّل مشروع الطاقة الشمسية من عبء استثماري إلى أصل طويل الأجل يدر عائدًا مستمرًا، وعلى عكس الاعتقاد السائد، أثبتت الدراسات أن استرداد رأس المال يتم خلال فترة قصيرة، بفضل التوفير المستمر في فاتورة الكهرباء واستقرار العملية الإنتاجية دون انقطاعات.
كما أن تكلفة النظام تنخفض بشكل ملحوظ عندما تعمل الوحدة الإنتاجية خلال ساعات النهار، حتى السادسة مساءً مثلًا، حيث يتم استهلاك الطاقة مباشرة دون الحاجة إلى تخزينها في بطاريات. هذا النمط التشغيلي يجعل الطاقة الشمسية أكثر جدوى اقتصادية، ويُسرّع استرداد رأس المال المستثمر خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا. تزيد تكلفة هذه الأنظمة بنسبة حوالي 30% اذا كانت هنالك حاجة للتشغيل الليلي. ولتقريب الفكرة نجد ان تركيب نظام لتوليد طاقة قدرها 500 كيلوواط تحتاج الي مساحة تقدر ب 2600 متر مربع وهذه تمثل مساحة سطح جملون انتاجي في الغالب وتكلفة مثلا هذا النظام حوالي مائة وستين الف دولار من غير بطاريات.
الفكرة الأساسية التي يجب توضيحها هي أن الطاقة الشمسية تولّد كهرباء… تمامًا مثل الكهرباء القادمة من الشبكة العامة أو من المولد. فالتيار الكهربائي في النهاية واحد من حيث الجهد والتردد (مثلاً 380 فولت – 50 هرتز).
وبالتالي، لا توجد حاجة لتغيير الماكينات نفسها حتى تعمل بالطاقة الشمسية. أي أن الطاقة الشمسية تغذي النظام الكهربائي للمصنع، وليس الماكينات بشكل منفصل. بل على العكس، الطاقة الشمسية يمكن أن تطيل عمر المعدات، وتقلل الأعطال، وتوفر بيئة تشغيل أكثر استقرارًا وأمانًا للمصنع ككل.
تجدر الإشارة هنا الي انه حال تبنّت أعداد معتبرة من الوحدات الإنتاجية حلول الطاقة الشمسية، فإن الأثر لن يقتصر فقط على خفض تكاليف التشغيل وتحسين استقرار الإمداد الكهربائي، بل سيمتد ليشمل تقليل الانبعاثات الكربونية بشكل جماعي. وعند الوصول إلى حجم مؤثر من خفض الانبعاثات، يصبح من الممكن تسجيل هذه التخفيضات ضمن آليات الكربون المعتمدة عالميًا، مثل أسواق الكربون الطوعية أو برامج التعويض البيئي، وبيعها لجهات دولية تبحث عن تعويض انبعاثاتها.
هذا يعني أن المناطق الصناعية يمكن أن تتحول من مجرد مستهلك للطاقة إلى منتج لقيمة بيئية قابلة للتسويق عالميًا، حيث تُستخدم عوائد بيع شهادات خفض الانبعاثات في تمويل تطوير البنية التحتية الصناعية، وتحسين شبكات الكهرباء، وتوسعة مشاريع الطاقة المتجددة نفسها.
وبذلك لا تقتصر الفائدة على المصنع الواحد، بل تمتد لتشمل المنطقة الصناعية بأكملها، فتتحول إلى نموذج إنتاجي مستدام يجمع بين خفض التكاليف، وتعزيز الاستقلال الطاقي، وتحقيق عوائد مالية إضافية من الاقتصاد الأخضر. هذا التحول يفتح الباب أمام شراكات دولية وتمويل أخضر، ويضع الصناعة المحلية في موقع متقدم ضمن الاقتصاد العالمي منخفض الكربون.
في النهاية، لم تعد الطاقة الشمسية خيارًا نظريًا أو مكلفًا كما يعتقد البعض، بل أصبحت حلًا عمليًا ومرنًا يمكن دمجه بسهولة في بيئة العمل الصناعية، محولًا المساحات المهملة إلى مصدر طاقة نظيف ومستدام يدعم استمرارية الإنتاج ويعزز تنافسية المصانع على المدى الطويل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى