محمد بابكر يكتب: التحولات السياسة الغربية والأمريكية تجاه السودان

شكّل السودان بموقعه الجيوسياسي الفريد الذي يربط بين العالم العربي وألافريقي وبثرواته الطبيعية الهائلة نقطة تقاطع للمصالح الدولية والإقليمية المتضاربة.
اتسمت السياسات الغربية عموما تاريخيا وخاصة الأمريكية تجاه السودان بالتارجح بين السعي لفرض الهيمنة لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية وبين دعم الاستقرار بما يخدم مصالح أمريكا والغرب.
إلا أن التحليل العميق للمشهد الحالي يكشف عن تحول جوهري في هذا النهج وذلك بفشل الاستراتيجيات القديمة وصعود ديناميكيات جيوسياسية جديدة وفشل مشاريع إقليمية معينة أعادت رسم خريطة النفوذ العالمي.
ارتبطت بعض التوجهات الغربية وخصوصًا الأمريكية باستراتيجيات كانت تهدف إلى تحقيق أهداف إقليمية محددة تضمنت في بعض الأحيان دعمًا غير مشروط لأجندات إسرائيلية في المنطقة و كانت هذه المقاربة تعتمد بشكل كبير على أدوات القوة سواء عبر التدخلات غير المباشرة أو من خلال دعم أطراف داخلية بعينها لتحقيق أجندات معينة بما في ذلك محاولات لزعزعة الاستقرار أو فرض وصاية تتناسب مع ما يعرف بـ “المشروع الصهيوني” في المنطقة.
وقد تجلى ذلك في فترات سابقىة من التدخلات غير المباشرة أو دعم جماعات معينة لخدمة هذه الاستراتيجية والتي أثبتت عدم جدواها على المدى الطويل حيث واجهت تحديات كبيرة في تحقيق أهدافها وأدت إلى تعميق الانقسامات الداخلية وتأجيج الصراعات مما حوّل السودان إلى ساحة أكثر تعقيدًا.
لقد أدركت الدوائر السياسية الغربية أن الاعتماد على القوة أو الوكلاء أو محاولة فرض مشاريع إقليمية معينة لن يؤدِ إلى النتائج المرجوة بل على العكس فاقم الأزمات وأضعف النفوذ الغربي نفسه.
هذا الإدراك بالإضافة إلى الفشل الواضح لـ “المشروع الصهيوني” في تحقيق أهدافه الاستراتيجية في السودان كان بمثابة نقطة تحول حاسمة وفتح الباب أمام مراجعة شاملة للنهج المتبع.
لعل أبرز محفز دفع الغرب لإعادة تقييم سياسته هو التنامي المتسارع لنفوذ القوة الشرقية وعلى رأسها الصين وروسيا فالسودان بثرواته غير المستغلة من المعادن والأراضي الزراعية وموقعه الحيوي على البحر الأحمر الذي يعد شريانًا للتجارة العالمية يمثل جائزة استراتيجية كبرى للقوى الساعية لتوسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري.
لقد شكّل خطر انزلاق السودان بالكامل نحو المعسكر الشرقي جرس إنذار لواشنطن وحلفائها. فالتحالف الاستراتيجي بين الخرطوم وبكين أو موسكو لا يعني فقط خسارة الوصول إلى الموارد والموقع بل يمثل أيضًا تغييرًا في موازين القوى الإقليمية قد تكون له تداعيات طويلة الأمد.
هذا الواقع فرض على الغرب التخلي عن سياسة الإقصاء والتدخل السلبي في شئون السودان و التي أثبتت أنها تدفع السودان بعيدًا بالبحث عن بديل أكثر ذكاءً نحو علاقات جديدة
بمنطق الشراكة بدلاً من الهيمنة.
وفي ظل هذه التحديات بدأت السياسة الغربية بالتحول نحو نهج أكثر واقعية
لم يعد الهدف هو الهيمنة المطلقة أو الاستغلال المباشر بل كسب ود الشعب السوداني وبناء علاقة ثقة مع قيادته من خلال تقديم نموذج شراكة أكثر توازنًا وعدالة يهدف هذا التحول إلى تأمين المصالح الغربية الحيوية في السودان ولكن عبر أدوات القوة الناعمة والتعاون المشترك بدلاً من أساليب الإكراه التي أثبتت فشلها
هذه السياسة الجديدة تتجلي في المبادرات الداعمة للسلام والاستقرار والمشاركة في جهود إعادة الإعمار والتنمية وتقديم الحوافز الاقتصادية.
الفلسفة الأساسية لهذا النهج هي أن الشراكة العادلة في استغلال الثروات والموارد هي الطريق الأكثر استدامة لضمان المصالح المشتركة على عكس محاولات الاستحواذ التي تولد العداء والمقاومة.
وهذا المسار يتطلب بناء جسور من الثقة وتعزيز التعاون المؤسسي والابتعاد عن أي ممارسات قد تفسر على أنها تدخل في الشؤون الداخلية أو فرض للوصاية.
هذه التحولات الراهنة في السياسة الغربية تجاه السودان
هي فرصة تاريخية للسودان في عالم متعدد الأقطاب فهي ليست مجرد تغيير تكتيكي بل انعكاس لفهم أعمق لواقع جيوسياسي جديد لم يعد فيه القطب الواحد هو المتحكم وفشل المشاريع الإقليمية التي كانت تهدف إلى فرض هيمنة معينة.
هذا التغيير وإن كان مدفوعا في جوهره بالمصالح الاستراتيجية يفتح نافذة من الفرص للسودان.
يبقى التحدي الأكبر أمام السودان قيادةً وشعبا هو كيفية استثمار هذه التحولات لصالحه. إن القدرة على إدارة هذه العلاقات الدولية المعقدة بذكاء وتعزيز السيادة الوطنية وتوحيد الجبهة الداخلية هي التي ستحدد ما إذا كان السودان سيتمكن من تحويل هذا المنعطف التاريخي إلى انطلاقة حقيقية نحو تحقيق تطلعات شعبه في التنمية والازدهار والكرامة.
في ختام هذا المشهد الجيوسياسي المعقد لم يعد السودان مجرد ساحة للتنافس الدولي بل أصبح لاعبا قادرا على تحديد وجهة مستقبله.
إن التحولات في السياسات الغربية التي فرضتها حقائق القوة الجديدة وفشل استراتيجيات الهيمنة القديمة تمنح السودان فرصة لا تقدر بثمن.
لم يعد السؤال هو ماذا يريد الغرب أو الشرق من السودان؟
بل ماذا يريد السودان لنفسه؟
إن الإجابة على هذا السؤال عبر رؤية وطنية موحدة وسيادة حقيقية في القرار هي التي ستحول السودان من مجرد جائزة استراتيجية إلى قوة فاعلة ترسم ملامح مستقبلها ومستقبل المنطقة بأكملها الي قوة لها سيادتها واعتبارها.
الان الكرة في ملعب السودان فالتحولات الدولية الحالية ليست سوى نافذة قد تضيق أو تتسع بناءً على قدرة السودانيين على اغتنامها.
فإما أن يتم استثمار هذا المنعطف التاريخي بذكاء وحكمة لترسيخ السيادة وتحقيق نهضة شاملة وإما أن يظل السودان يدور في فلك الصراعات الدولية.
المستقبل الان رهن القرار الوطني والتاريخ لن يرحم من يفرط في فرصه قد لن تتكرر.




