مقالات

حين تتحول الزيارات إلى بوابة للنهوض بقطاع الأسماك

ضوء القمر

عبدالعليم مخاوي: 

زيارة البروفيسور أحمد التيجاني المنصوري وزير الثروة الحيوانية والسمكية إلى الإدارة العامة للأسماك والاحياء المائية بولاية النيل الأبيض ومحطة بحوث أسماك النيل الأبيض بمدينة كوستي، لم تكن مجرد نشاط بروتوكولي يضاف إلى سجل الزيارات الرسمية، بل تمثل – في تقديري – مؤشراً مهماً على إعادة ترتيب أولويات قطاع ظل لسنوات طويلة يعمل دون ما يستحقه من اهتمام حقيقي.
ولاية النيل الأبيض تملك ميزات نسبية نادرة في مجال الثروة السمكية، موقع جغرافي مميز، موارد مائية ممتدة، وخبرة مجتمعية متوارثة في الصيد.. ومع ذلك، ظل العائد الاقتصادي من هذا القطاع دون الطموح. *المشكلة لم تكن في المورد بقدر ما كانت في الإدارة والتخطيط والدعم الفني والمالي.. لذلك فإن الوقوف ميدانياً على أداء الإدارة العامة للأسماك، والاستماع إلى شرح مفصل عن الإنجازات والخطط المستقبلية، خطوة تعكس جدية مطلوبة في هذه المرحلة.
اللافت في الزيارة أنها جاءت بحضور والي الولاية الفريق الركن قمر الدين محمد فضل المولى وعدد من المسؤولين التنفيذيين الدكتور عبد السميع موسى رئيس المجلس الأعلى للثروة الحيوانية بولاية النيل الأبيض والاستاذ هشام الشيخ المدير التنفيذي لمحلية كوستي، وهو ما يبعث برسالة تنسيق بين المستوى الاتحادي والولائي.. هذا التنسيق ضروري، لأن تطوير قطاع الأسماك لا يمكن أن يتم بجهد جهة واحدة.. هو مشروع متكامل يبدأ من تنظيم المصائد، ويمر بتحديث أدوات الصيد، وينتهي بالتسويق والتصنيع وإدخال القيمة المضافة.
إن واقع قطاع الأسماك يفرض نفسه بقوة على طاولة متخذي القرار، فالصياد بطبيعته في حركة دائمة، يتنقل بين الولايات وفقاً لمواسم الإنتاج ومواقع المصيد، ويتداخل نشاطه بين الإنتاج والتسويق بصورة تجعل من التنسيق بين الولايات أمراً لا يحتمل التأجيل.. هذا التداخل يضع مسؤولية مضاعفة على الجهات المختصة لتوحيد الرؤى والسياسات حتى لا تضيع الجهود بين الحدود الإدارية.
ومن هنا تكتسب مثل هذه الزيارات الرسمية أهميتها، إذ تعكس إدراكاً لطبيعة القطاع وحاجته إلى تنسيق فعّال يراعي حركة الصيادين، وينظم عمليات النقل والتسويق، ويوفر بيئة عمل مستقرة تضمن استدامة المورد.
ولاية النيل الأبيض، على سبيل المثال، تنعم بمخزون سمكي يُقدَّر بأكثر من 16 ألف طن سنوياً، وهو رقم واعد لو أُحسن استغلاله لأحدث نقلة حقيقية في دعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل وزيادة الإيرادات. *غير أن هذا المخزون لم يُستغل منه إلا القليل، نتيجة لتدهور المصيد لأسباب إدارية تتعلق بهجرة الكوادر المؤهلة، وضعف الاهتمام الرسمي بالمرفق، فضلاً عن تداعيات الحرب التي أغلقت أسواق السمك وأثرت سلباً على حركة البيع والتوزيع.
إن معالجة هذه الإشكالات تتطلب رؤية شاملة تعيد الاعتبار لقطاع الأسماك كمورد اقتصادي استراتيجي، تبدأ بإعادة تأهيل الكوادر، وتحسين البنية التحتية، وفتح قنوات التسويق، وتنتهي بوضع سياسات منسقة بين الولايات تحفظ حق الصياد وتضمن استدامة الثروة السمكية للأجيال القادمة.
أما محطة بحوث أسماك النيل الأبيض بكوستي، فهي حجر الزاوية في أي نهضة حقيقية.. البحث العلمي ليس ترفاً، بل هو الأساس الذي تبنى عليه سياسات الاستزراع السمكي وتحسين السلالات وزيادة الإنتاجية.. إذا أردنا قطاعاً حديثاً قادراً على المنافسة، فعلينا أن نضع البحث في مقدمة الأولويات، لا في هامش الميزانيات.. دعم المحطة بالكوادر والتقنيات والمعامل الحديثة سيختصر سنوات من المعاناة ويضاعف الإنتاج بطرق علمية مستدامة.
كذلك، فإن تطوير هذا القطاع يحمل بعداً اجتماعياً مهماً.. آلاف الأسر تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على الصيد والنشاط المرتبط به.. أي نهضة في هذا المجال تعني فرص عمل جديدة للشباب، وتحسين دخل الصيادين، واستقراراً اقتصادياً في المجتمعات النيلية.. كما أن زيادة الإنتاج السمكي تسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتوفير مصدر بروتين أقل تكلفة مقارنة ببدائل أخرى.
لكن، وبين التفاؤل المشروع، تبقى الحقيقة الأهم، الزيارات وحدها لا تكفي.. المطلوب هو متابعة تنفيذ التوصيات، وتوفير التمويل الكافي، وفتح الباب أمام شراكات جادة مع القطاع الخاص، وإزالة المعوقات الإدارية التي قد تعطل الانطلاقة.. فكم من خطط طموحة وُضعت على الورق، لكنها لم تجد طريقها إلى الواقع.
إن ولاية النيل الأبيض قادرة أن تصبح نموذجاً وطنياً في إدارة وتنمية الثروة السمكية إذا توافرت الإرادة والدعم والاستمرارية.. والزيارة الأخيرة يمكن أن تكون نقطة انطلاق حقيقية، شريطة أن تتحول الأقوال إلى أفعال، والرؤى إلى مشاريع ملموسة على الأرض..
فالأسماك في النيل الأبيض ليست مجرد مورد طبيعي… بل فرصة تنموية كاملة تنتظر من يحسن استثمارها.
اعجبت للغاية من الثقة الكبيرة التي استقبل بها الاستاذ الصادق بخيت جار النبي محمد صالح مدير إدارة الأسماك والاحياء المائية بولاية النيل الأبيض الوزير والوالي والوفد المرافق لهما ، حيث كان الأستاذ الصادق هادئاً وواثقاً من اشيائه وهو يقدم شرحاً تفصيلياً للوزير عن العمل الذي تقوم به إدارته ، كما يمتد إعجابي أيضاً بالاستاذة نور عثمان مدير محطة بحوث أسماك النيل الأبيض بمدينة كوستي والتي قدمت بدورها شرحاً وافياً للوزير عن العمل الذي تقوم به المحطة فضلاً عن خططها المستقبلية لتطوير الأداء.. فهما قدما بياناً بالعمل للمدير المتمكن والواثق من إمكاناته وقدرات فريق عمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى