راتب الوزير لا يكفي بين منطق الوظيفة ووهم الامتياز

د. صلاح عمر الطيب:
في كل مرة يخرج فيها مسؤول عن النص المألوف تتعالى الأصوات وتُشن الحملات وكأن الخروج عن السائد جريمة لا تُغتفر هذا ما حدث تمامًا عندما صرّح وزير الثروة الحيوانية بأن راتبه لا يكفيه وأنه يفكر في البحث عن مصدر دخل آخر إلى جانب وظيفته لسد العجز.
ردود الفعل لم تناقش الفكرة بقدر ما انصرفت إلى مهاجمة الرجل وكأن الاعتراف بواقع اقتصادي صعب يُعد ضعفًا أو خروجًا عن تقاليد غير مكتوبة ترى في المنصب السياسي بابًا للثراء لا وظيفةً عامة
لكن السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح
هل الوزير موظف أم صاحب امتياز
إذا نظرنا إلى جوهر الوظيفة العامة نجد أنهابما فيها المناصب العلياتكليف ومسؤولية تُقابل براتب محدد وليس من المفترض أن تكون وسيلة لتحقيق الثراء بل إن الأصل أن يكون المسؤول أكثر التزامًا بالشفافية والانضباط، لأنه في موقع يُحتذى به
من هنا فإن حديث الوزير لا ينبغي أن يُفهم باعتباره خللًا بل قد يكون مدخلًا لإعادة تصحيح مفاهيم ترسّخت لعقود حيث اعتاد البعض أن المناصب تُدرّ دخلاً غير محدود وتفتح أبوابًا للامتيازات الشخصية والعائلية
غير أن المسألة ليست بهذه البساطة فالجمع بين المنصب العام والعمل الخاص يطرح تحديًا حقيقيًا يتعلق بتضارب المصالح إذ لا يمكن القبول بأن يستغل المسؤول موقعه لتحقيق مكاسب خاصة أو أن تتداخل قراراته العامة مع مصالحه الشخصية لذلك فإن أي توجه نحو السماح بمصادر دخل إضافية يجب أن يكون محكومًا بضوابط صارمة تضمن النزاهة وتحمي المال العام
وفي المقابل لا يمكن تجاهل جانب مهم في هذا النقاش وهو ضرورة تشجيع ثقافة الإنتاج فالمسؤول كغيره من المواطنين يجب أن يكون جزءًا من دورة الاقتصاد يوظف خبراته ويُسهم في تنمية مجاله الطبيب يمكنه العمل في عيادة والمهندس في مشروع والمختص في الثروة الحيوانية في نشاط إنتاجي والباحث في تطوير المعرفةكل ذلك ضمن أطر قانونية واضحة
إن الأزمة الحقيقية ليست في تصريح وزير بل في ثقافة ترسّخت ترى في السياسة مهنة للعيش لا وسيلة لخدمة الناس ثقافة جعلت من بعض المناصب إرثًا غير معلن يتوارثه أفراد بعينهم، بعيدًا عن معايير الكفاءة والاستحقاق
لذلك فإن ما نحتاجه اليوم ليس فقط الدفاع عن تصريح أو الهجوم عليه بل فتح نقاش أعمق حول معنى الوظيفة العامة وحدودها وحول كيفية تحقيق التوازن بين حق المسؤول في حياة كريمة وواجباته تجاه النزاهة والشفافية
إن بناء الدول لا يتم عبر الامتيازات بل عبر العمل والإنتاج والمساءلة ولا يُقاس نجاح المسؤول بما يملكه بل بما يقدّمه. وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة الأهم أن المناصب زائلة وأن حقوق الناس باقية وعند الله تجتمع الخصوم.


