على ضفاف النيل المسحور.. آفةٌ تسترقُّ النفوس

د.أسامة سيدأحمد حسين:
حكومة الولاية في مواجهة جيوش الظل:
المقدمة:
على ضفاف نهر النيل الخالدة، حيث كتبت أولى سطور الحضارة، وتغنى الشعراء بجمالها الأخاذ، حيث ينمو النخيل، وتتمايل حقول القمح على إيقاع النسيم العليل، تسللت آفةٌ صمّاء في ظل حمي التعدين الاهلي في الماضي الحاضر وفوضي الحرب وغياب هيبة الدولة. إنها المخدرات؛ ذاك القاتل الصامت الذي لا يفرق بين ضحية وأخرى، بل يفتك بالشباب قبل الكهول، ويهدم الأسر قبل الأبدان، متخذاً من ولاية نهر النيل ممراً وهدفاً. وليس وقوفنا على هذه القضية اليوم مجرد سرد لأحداث عادية، بل هو صرخة مدوية في وجه شر مستطير، ومحاولة لفهم خيوط هذه المؤامرة التي تحاك ضد أبناء هذا الإقليم العريق، مع تركيز خاص على دور حكومة الولاية في التصدي لهذا الخطر، وتجريم دور الحركات المسلحة التي تحولت من حراس مزعومين للبلاد وللثورة إلى تجار موت ومروجي سموم.
الأسباب: لماذا نهر النيل بالذات؟
عند التأمل في جغرافية ولاية نهر النيل، يكشف لنا القدر سر هذا الاستهداف. تمتد الولاية على جانبي النيل ، متصلة بقلب العاصمة الخرطوم جنوباً، وممتدة الأطراف نحو الحدود الشمالية والشرقية، مما جعلها همزة وصل طبيعية بين السودان ودول الجوار. في ظل الرياح العاتية لحرب أبريل 2023، لم تعد خطوط التهريب القديمة كما كانت. فبعد أن كانت المدن الآمنة حصوناً، تحولت بعض المناطق، وبخاصة تلك التي تضم النازحين والسابله والفارين من لهيب الحرب ، إلى بؤر ملتهبة بالعصابات. استغل تجار الموت هذه الثغرات الأمنية، فحوّلوا المدن الهادئة مثل الدامر وبربر والعبيدية وشندي وأبو حمد وعطبرة إلى ممرات محصنة لترويج السموم. فالصراع الدائر لم يخلق فراغاً أمنياً فحسب، بل خلق أيضاً يأساً اقتصادياً وفقراً مدقعاً وانهياراً نفسياً، وهو ما يُعد البيئة الخصبة لنمو الطلب على المخدرات.
والأخطر من ذلك، أن ولاية نهر النيل تقع على خطوط التهريب الدولية التي تمتد من مناطق إنتاج الكبتاغون في شرق دارفور، مروراً بولايات كردفان والخرطوم، وصولاً إلى الشمالية ومنها إلى خارج البلاد . هذا الموقع الاستراتيجي جعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب العابرة للحدود.
المغزى: ما الذي يريدون تحقيقه؟
لا يمكننا أن ننظر إلى هذه الأعداد المهولة من الحبوب المخدرة التي تُضبط هنا وهناك على أنها مجرد “جرائم عابرة”. إنها حرب ممنهجة بأدوات قذرة. فبينما يحارب الجيش السوداني ميليشيات المتمردين بالرصاص وكل ماأعده من قوة ، يحاول آخرون تدمير النسيج الاجتماعي من الداخل..المغزى هنا خطير ومزدوج: الأول هو تدمير الطاقات البشرية؛ فالشاب المدمن هو جندي مفقود، وطبيب شارد، ومهندس ضائع. الثاني هو تمويل العمليات العسكرية؛ فقد تحولت تجارة الكبتاغون والآيس والحشيش والبنقو إلى سلاح اقتصادي يمول استمرار الحرب . ففي فبراير من هذا العام، أعلنت السلطات السودانية عن ضبط مصنع ضخم في منطقة الجيلي شمال الخرطوم، كان تحت سيطرة قوات الدعم السريع، ينتج 100 ألف حبة كبتاغون في الساعة، وبحوزته مواد خام تكفي لصنع 700 مليون حبة . هذا الكشف يؤكد أن تجارة المخدرات لم تعد مجرد نشاط هامشي، بل تحولت إلى صناعة حقيقية تموّل آلة الحرب.
وهنا يأتي دور الحركات المسلحة التي باتت تاجر الموت الأول في السودان. فمناطق دارفور، وخصوصاً ولاية جنوب دارفور ومنطقة الردوم التي كانت تزرع نحو 20 ألف فدان من نبتة البنقو المخدرة عام 2022، تضاعفت مساحاتها المزروعة منذ اندلاع الحرب، بتشجيع وتمويل من قادة الدعم السريع الذين يقتسمون الأرباح مع المزارعين . هؤلاء “الجنود” الذين تدّعموا بالسلاح تحولوا من حراس للثورة إلى تجار مخدرات علنيين، يتحدون سلطة الدولة ويصرحون لمن كانوا يعملون في مكافحة المخدرات: “كنتم تقبضون علينا وتحاكموننا، أما اليوم فتعالوا إلى سوق البنقو إن كنتم رجالاً!”.
الوضع الراهن/ جسد على المحك وجيوش الظل تتمدد:
إن المشهد اليوم في ولاية نهر النيل يبعث على القلق والأسى معاً. القلق من حجم الكميات المهولة التي تضبطها الأجهزة الأمنية المختصة، والأسى على ما لم يُضبط بعد مما يتسلل إلى البيوت والمجالس. ففي عملية أمنية حديثة وناجحة بمنطقة سيدون، تمكنت قوة مشتركة من الإدارة العامة لمكافحة المخدرات والشرطة الأمنية من توقيف عدد من المروجين، وعثرت بحوزتهم على ما يقارب 1096 حبة من مخدر “الكبتاغون”، و700 جرام من مادة “الآيس كريستال” المدمرة للأعصاب، و300 جرام من الحشيش الأفغاني شديد الفعالية. والأكثر إثارة للقلق هو ما كشفته تقارير إعلامية لاحقة، حيث تم في منطقة شندي بذات الولاية ضبط أكبر شحنة كبتاغون في تاريخ السودان، بلغت 4.5 مليون حبة، مخبأة داخل شاحنة على مزرعة نائية، ويعتقد أن شبكة إجرامية أجنبية تقف وراءها . وقد اعترفت السلطات بأن هذه الشبكات قدمت رشاوى ضخمة لبعض عناصر الشرطة لتسهيل مرور الشحنات، مما يؤكد انتشار الفساد كظاهرة مصاحبة لتجارة الموت .
تحجيم دور الحركات المسلحة/ من هم هؤلاء؟
إن فهم طبيعة العدو هو نصف المعركة. ففي الولاية الشمالية ومحيطها، تمددت ميليشيات مسلحة تستظل برداء الجيش السوداني، لكنها تمارس أبشع أنواع الجريمة المنظمة . فهناك على الأقل ثلاث ميليشيات رئيسية تنشط في محيط الولاية:
1. اولاد قمرى: وهي الأكثر ظهوراً على طريق “شرين الشمال” الرابط بين دنقلا ووادي حلفا. هي في الأصل مهربون صغار تحولوا إلى قوة مسلحة بأسلحة ثقيلة، وهم يزعمون أنهم يعملون مع استخبارات الفرقة 19 التابعة للجيش، لكنهم في الواقع يديرون تهريب المخدرات والأسلحة والبشر عبر الحدود المصرية والليبية .
2. اولاد (س): وهي ميليشيا يمولها التاجر ( س) ، أنفق ملايين الدولارات على شراء الأسلحة والمركبات القتالية. هؤلاء يسمون أنفسهم “المقاومة الشعبية”، لكنهم في الحقيقة يتبعون لممولهم وليس لأي قيادة شرعية.
3. اولاد شاذلي: ميليشيا أصغر حجماً، لكنها متحالفة مع سابقاتها، ويقدر عدد أفراد هذه الميليشيات مجتمعة بنحو 10 آلاف مسلح، غالبيتهم لديهم سوابق في التهريب والمخدرات والسطو المسلح .
وهذه الميليشيات، وبحسب شهادات سكان المنطقة، تقوم بابتزاز أصحاب المتاجر ومناجم الذهب، وتفرض “إتاوات” تحت مسمى الحماية، وتبيع المخدرات في مقاهي مدن كرمة النزل علناً بينما تتغاضى الشرطة عن ذلك خوفاً أو طمعاً .
دور حكومة الولاية/ خط الدفاع الأول:
في خضم انهيار مؤسسات الدولة المركزية وإغراق الساحة بجيوش الظل هذه، تبرز مسؤولية حكومة ولاية نهر النيل وايضا حكومة الولاية الشماليه كخط دفاع أول وأخير. إنها المعركة التي لا تقل شراسة عن معارك الجبهات الحربيه ، بل ربما تكون أخطر لأنها معركة على وعي الأمة وروحها.
أولاً: استعادة الأمن والصرامة الردعية:
قامت حكومة الولاية، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، بتشكيل غرف عمليات مشتركة لمراقبة الطرق الصحراوية الوعرة التي تسلكها قوافل التهريب. ورغم ضعف الإمكانات، إلا أن العمليات النوعية التي نُفذت في شندي وسيدون تؤكد أن الإرادة موجودة. ولا بد من دعم هذه الغرف بكل الوسائل التقنية واللوجستية، وتغليظ العقوبات على كل متورط في هذه التجارة، مهما كانت صفته أو نفوذه.
ثانياً: كشف الفاسدين وتطهير المؤسسة:
لا يمكن للحكومة أن تنجح في معركتها إذا كانت هناك أيادي خائنة داخل أجهزتها الأمنية. وقد أقرت السلطات بوجود رشاوى قدمتها شبكات التهريب لعناصر الشرطة لتسهيل مرور الشحنات . فعلى حكومة الولاية أن تبدأ بتطهير بيتها أولاً، ومحاكمة كل من يثبت تورطه، مهما كان قريباً أو بعيداً. يجب أن يكون الدرع الذي يحمي المجتمع نظيفاً قبل أن يدافع عنه.
ثالثاً: تحصين المجتمع وتعزيز الصمود:
لا يمكن للجهد الأمني أن ينجح بمعزل عن الجهد المجتمعي. على حكومة الولاية أن تطلق حملات توعية مكثفة في المساجد والمدارس والأسواق، لفضح مخاطر هذه السموم. كما عليها أن تتعاون مع منظمات المجتمع المدني لتوفير مراكز علاج للمدمنين، وتأهيلهم ليعودوا إلى المجتمع أفراداً منتجين. إن استقطاب الشباب بالرياضة والفن والعمل هو أقصر الطرق لإبعادهم عن فخاخ المخدرات.
رابعاً: التنسيق مع الحكومة المركزية لكشف الميليشيات:
على حكومة الولاية رفع تقارير دقيقة ومفصلة عن تحركات الميليشيات المدعومة من جهات في الحكومة المركزية . إن الفصل بين “المقاومة الشعبية” المشروعة والميليشيات الإجرامية هو واجب وطني. فهؤلاء (اولاد قمرى و(س) وشاذلي) ليسوا جزءاً من الحل، بل هم عين المشكلة.
المعالجة: كيف نسترد النهر الطهور؟
إن استعادة كرامة نهر النيل وتطهير ضفافه من هذه النجاسة تحتاج إلى سلاح ذي حدين: سلاح القانون الصارم وسلاح الوعي النافذ.
أولاً: غلظ العقاب وفرض هيبة الدولة.
لا مكان للشفقة مع تاجر الموت. يجب أن تتحرك اللجان الأمنية بكل حزم لتجفيف منابع التهريب، وملاحقة المليشيات الداعمة لهذه التجارة، وتفكيك شبكات الحماية التي تستظل بها هذه العصابات. ويجب أن يشمل ذلك ملاحقة الميليشيات المارقة
ثانياً: نزع سلاح الميليشيات.
يجب أن تكون هناك إرادة سياسية وأمنية لنزع سلاح كل من ليس جزءاً من المؤسسة النظامية. فوجود 10 آلاف مسلح خارج القانون في شمال البلاد هو قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة .
ثالثاً: العلاج والتوعية.
لا يكفي القبض على المروج، بل يجب إنقاذ الضحايا. نحتاج إلى مصحات للعلاج النفسي، وإلى مبادرات مجتمعية تعيد تأهيل المدمنين ليكونوا عناصر فعالة في المجتمع بدل أن يغدوا قنابل موقوتة. وعلى حكومة الولاية أن تتبنى مؤتمراً سنوياً لمكافحة المخدرات، يجمع الخبراء والجهات المختصة لوضع الاستراتيجيات.
رابعاً: التعاون الإقليمي والدولي.. نظراً لأن تجارة المخدرات عابرة للحدود، ويتم تهريب الكبتاغون إلى دول الخليج عبر طرق معقدة (كما حدث في محاولة تهريب 89,760 حبة داخل أزرار الملابس في أغسطس الماضي) ، فإن على حكومة الولاية التنسيق مع حكومات الولايات المجاورة والدول المعنية لتبادل المعلومات وتجفيف منابع التمويل.
الخاتمة: يا شباب نهر النيل… يا حكومة نهر النيل
إن نهر النيل الذي يجرى في شرايينكم ليس مجرد ماء، بل هو تاريخ وعزة وكرامة. لا تسمحوا لأعداء الحياة بأن يحولوا حريتكم إلى فوضى، وصحتكم إلى خراب، وأحلامكم إلى سراب. قفوا صفاً واحداً مع رجال الشرطة البواسل، وأبلغوا عن كل بائع ومروج، فبالوعي تتحصن الأمم، وبالتكاتف تنتصر المدنية على الهمجية.
أيتها الحكومة المحلية، مواطنيكم أمانة في أعناقكم. الشعب يترقب أفعالكم لا أقوالكم. طهّروا مؤسساتكم من الفاسدين، واجهوا الميليشيات بكل شجاعة، واحموا شبابكم من هذا الطوفان الأسود. دفبإرادتكم وحدها، وبوقوفكم مع أبناء هذا الوطن العظيم، سنسترد نيلنا طهوراً، كما خلقه الله، لا تلوثه سموم الأفئدة المريضة، ولا تعبث به أيادي الغدر والفوضى.
فلنحافظ على نيلنا… معاً.




