انشقاقات (القبة) و(السافنا).. بين الضرورة العسكرية واستحقاقات العدالة

الصادق محمد أحمد:
تناقلت الأخبار إعلان القائد الميداني علي رزق الله المعروف بـ(السافنا) انشقاقه عن قوات الدعم السريع، وقبله إنشق النور القبه وظهر في مؤتمر صحفي مرتدياً زي القوات المسلحة ومتوشحاً رتبة عسكرية رفيعة في مشهد أثار جدلاً واسعاً بين السودانيين. وبينما يرى البعض في هذه الانشقاقات مكسباً عسكرياً يساهم في إضعاف المليشيا المتمردة، ينظر إليها آخرون باعتبارها بداية خطيرة لإعادة تدوير نفس البنية المليشياوية التي دفعت البلاد إلى هذا الخراب.
الحقيقة أن المسألة أكثر تعقيداً من مجرد الاحتفاء بالإنشقاقات أو رفضها بشكل مطلق ، ففي الحروب تسعى الجيوش بطبيعة الحال إلى تفكيك خصومها وتشجيع الانقسامات داخل صفوفهم، وهذا تكتيك عسكري معروف ومفهوم ،ولكن المشكلة لا تكمن في تشجيع الانشقاق ذاته بل في الطريقة التي تتم بها إدارة ما بعد الانشقاق، وفي الرسائل السياسية والأخلاقية التي تُرسَل للمجتمع وللضحايا على وجه الخصوص.
السودانيون الذين فقدوا أبناءهم وممتلكاتهم وتعرضوا للقتل والنهب والتهجير والانتهاكات لا يمكن مطالبتهم ببساطة بتجاوز كل ذلك لمجرد أن بعض قادة المليشيات قرروا تغيير مواقعهم العسكرية في لحظة معينة من الحرب، فالمواطن الذي شاهد هذه المجموعات وهي تقتحم القرى والمدن وتروع المدنيين، لن يشعر بالأمان حين يرى ذات الوجوه تعود إلى المشهد العام دون أي مساءلة وكأن شيئاً لم يكن.
إن الخطر الحقيقي هنا ليس في إستقبال المنشقين أو الإستفادة من المعلومات العسكرية التي قد يقدمونها وإنما في تحويل الانشقاق إلى ما يشبه (صك غفران) سياسي أو أخلاقي يُعفي من المحاسبة تلقائياً، فالدولة التي تسعى لإستعادة هيبتها لا يمكن أن تبني مشروعها على تجاهل حقوق الضحايا أو على شرعنة الإفلات من العقاب تحت أي مبرر.
وفي المقابل، فإن التعامل مع هذه القضية بعقلية انتقامية أو برفض أي انشقاق بصورة مطلقة قد يكون خطأ استراتيجياً أيضاً، لأنه قد يغلق أبواب تفكيك المليشيا من الداخل ويطيل أمد الحرب، ولهذا فإن المطلوب ليس الاحتفاء غير المشروط، ولا الرفض المطلق، بل بناء مقاربة متوازنة تجمع بين الضرورة العسكرية ومقتضيات العدالة،
هذه المقاربة يجب أن تقوم على عدة مبادئ واضحة:
أولاً: الفصل بين الاستفادة العسكرية المؤقتة وبين الدمج المؤسسي الدائم، فقبول انشقاق بعض العناصر لا يعني تلقائياً منحهم شرعية كاملة أو إدماجهم داخل مؤسسات الدولة دون تدقيق ومحاسبة.
ثانياً: إخضاع كل القيادات والعناصر المتورطة في إنتهاكات جسيمة لتحقيقات قانونية مستقلة، وعدم التعامل مع الجرائم الخطيرة باعتبارها قابلة للمحو بمجرد تغيير الولاء العسكري.
ثالثاً: إنشاء برامج واضحة لنزع السلاح وإعادة التأهيل والدمج (DDR)، بحيث تتم معالجة (الإرث المليشياوي) بصورة مؤسسية تمنع إعادة إنتاجه مستقبلاً داخل القوات النظامية أو المجتمع.
رابعاً: تبني مسار حقيقي للعدالة الانتقالية يضمن حقوق الضحايا ويمنع تحول الحرب إلى مجرد صراع تنجو منه القيادات المسلحة بلا حساب بينما يتحمل المدنيون وحدهم الثمن.
إن ما يخشاه كثير من السودانيين اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل أن تنتهي الحرب دون أن تتغير الأدوات والعقليات التي صنعتها، فإعادة إنتاج المليشيات بأسماء جديدة أو تحت مظلات مختلفة لن تؤدي إلى بناء دولة مستقرة، بل إلى تأجيل الانفجار القادم.
السودانيون لم يقدموا كل هذه التضحيات من أجل إعادة تدوير ذات القوى التي ساهمت في تمزيق البلاد، وإنما من أجل دولة قانون يشعر فيها المواطن أن كرامته ودمه وحقوقه ليست قابلة للمساومة السياسية أو العسكرية.
إن الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها يتطلب جيشاً وطنياً مهنياً يحتكر السلاح، وعدالة لا تُدار وفق تبدلات الولاء، ودولة تُدرك أن السلام الحقيقي لا يقوم فقط على إسكات البنادق، بل على استعادة ثقة الناس في معنى العدالة نفسها.




