مقالات

من بانغي إلى دارفور.. كيف أصبحت الحرب في السودان شبكة عابرة للحدود؟

بقلم/ رانيا عمر: 

حين كشف تقرير نشرته منصة “أفريكا إنتليجنس” في مايو 2026 عن عبور مرتزقة كولومبيين عبر مطار بانغي في طريقهم إلى دارفور للقتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع، لم يكن الأمر مجرد تفصيل أمني جديد في حرب السودان. بل بدا كدليل إضافي على أن الحرب، التي دخلت عامها الرابع، لم تعد نزاعًا داخليًا يمكن تفسيره، كما تحاول بعض السرديات السياسية والإعلامية تقديمه، باعتباره مجرد صراع على السلطة، بل أصبحت حربًا تُغذّيها شبكات إقليمية من التمويل والتسليح والمرتزقة العابرين للحدود.

ولم يأتِ ذكر بانغي من فراغ. ففي مارس 2026، نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية تحقيقًا موسعًا تحدث عن إعادة تنظيم خطوط الإمداد المرتبطة بمليشيا الدعم السريع عبر دول مجاورة للسودان، بينها جمهورية أفريقيا الوسطى، في ظل الضغوط المتزايدة على المسارات التقليدية عبر ليبيا وتشاد. التحقيق أشار إلى نشاط شركات شحن وطائرات مرتبطة بممرات لوجستية أثارت تساؤلات متكررة حول الدعم الخارجي الذي يسمح باستمرار الحرب رغم الإدانات الدولية.

ومنذ ذلك الوقت، لم تعد هذه المعطيات مجرد تقارير متفرقة أو اتهامات سياسية متبادلة. فخلال الأشهر الماضية، تراكمت تحقيقات وتقارير من “بيلينغكات”، و”ذا سنتري”، والأمم المتحدة، ووزارة الخزانة الأمريكية، لترسم صورة متقاربة لشبكة معقدة تتحرك عبر عدة دول، تشمل نقل مرتزقة، ومسارات لوجستية، وشركات شحن وطيران، بالإضافة إلى شبكات مالية وعقارية تمتد إلى دبي، في وقت يواصل فيه السودان دفع كلفة حرب مدمرة استهدفت المدنيين والبنية التحتية والاستقرار الوطني.

ومع كل تقرير جديد، يتراجع الادعاء بأن ما يحدث في السودان شأن داخلي معزول عن التأثيرات الخارجية. فالمشهد الذي يتكشف تدريجيًا يُظهر قدرة هذه الشبكات على التكيف وإعادة التموضع كلما تعرض أحد مساراتها للضغط أو المراقبة. من ليبيا إلى الصومال وتشاد، وصولًا إلى أفريقيا الوسطى، وامتدادًا إلى إثيوبيا في سياق إقليمي شديد التعقيد ارتبطت فيه الحرب السودانية بتطورات تتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة وحدود الحركة الجوية، تبدو خطوط الإمداد وكأنها تعيد رسم نفسها باستمرار، بما يسمح بإطالة أمد الحرب رغم الإدانات الدولية المتصاعدة.

الحرب لم تعد تختبئ.
من لا يرى شبكات الإمداد… لن يفهم لماذا لا تنتهي الحرب.

غير أن الكلفة الحقيقية لهذه الشبكات لا تُقاس فقط بحجم الأموال أو تعقيد المسارات، بل بما تتركه يوميًا على الأرض السودانية. ففي الفاشر ودارفور، لا يواجه المدنيون الرصاص والحصار وحدهما، بل يواجهون أيضًا حربًا تُدار عبر الحدود، تُغذّيها حسابات سياسية ومصالح إقليمية تتجاوز معاناتهم بالكامل.

والأخطر أن تراكم هذا الكم من التحقيقات والتقارير الدولية لم ينجح حتى الآن في إنتاج ضغط حقيقي يوازي حجم الكارثة السودانية، رغم أن المشهد بات أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: شبكات تتحرك عبر الحدود، وتمويل يتكيّف مع الضغوط، ومسارات إمداد يعاد تشكيلها كلما انكشف أحدها.

وفي خضم هذا المشهد، عادت الدعوات الدولية للحديث عن “الحل السياسي” و”الهدن الإنسانية” باعتبارها مخرجًا للأزمة السودانية. ففي مايو 2026، وخلال زيارته إلى القاهرة، تحدث المبعوث الأمريكي مسعد بولس عن ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية تمتد لتسعين يومًا، مؤكدًا أن الحرب لا يمكن أن تُحسم عسكريًا وأن الحل يجب أن يكون سياسيًا.

غير أن المفارقة الصعبة تكمن في أن الحديث عن التهدئة جاء في التوقيت نفسه الذي كانت فيه التقارير الدولية تتحدث عن عبور مرتزقة أجانب ومسارات إمداد جديدة مرتبطة بالحرب. وهو ما يطرح أزمة أعمق من مجرد وقف إطلاق نار مؤقت: كيف يمكن لأي هدنة أن تصمد بينما تستمر البنية التي تُغذّي الحرب في العمل بلا توقف؟

فالحديث عن وقف إطلاق النار يفقد معناه عندما تتحدث التقارير نفسها، في التوقيت ذاته، عن وصول مرتزقة أجانب للقتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع، وعن مسارات نقل وتمويل لا تزال تعمل رغم كل الإدانات الدولية. إذ لا يمكن فصل استمرار الحرب عن استمرار البنية التي تغذيها.

كما أن اختزال الأزمة السودانية في مجرد “عملية سياسية” تشارك فيها واجهات وأطراف توفر غطاءً سياسيًا للمليشيا، يتجاهل جوهر المشكلة الحقيقي. فالقضية لم تعد فقط خلافًا سياسيًا يمكن تسويته عبر الموائد الدبلوماسية، بل أصبحت مرتبطة بشبكات تمويل وتسليح وتجنيد عابر للحدود ساهمت بصورة مباشرة في إطالة أمد الحرب وتعقيدها.

وما يحدث في السودان يكشف أيضًا تحوّلًا أخطر في طبيعة الحروب الحديثة. فالدول لم تعد بحاجة دائمًا إلى التدخل المباشر أو إرسال جيوشها النظامية. يكفي أحيانًا إنشاء شبكة من الوسطاء، وشركات النقل، ومسارات الإمداد غير المعلنة، والمرتزقة العابرين للقارات، حتى تستمر الحرب من دون أن يظهر الفاعل الحقيقي في الصورة بشكل مباشر.

ولهذا، فإن الحديث عن السلام في السودان لن يكون جادًا ما لم يبدأ أولًا بمحاسبة شبكات الإمداد والتمويل وتجنيد المرتزقة، وتجفيف المسارات التي تسمح باستمرار الحرب. ومن دون ذلك، سيبقى أي حديث عن السلام أقرب إلى إدارة الأزمة لا إنهائها.

قد يختلف العالم على السياسة، لكن لا ينبغي أن يختلف على حقيقة واحدة:
حين يصبح المرتزقة عابرين للقارات، والطائرات عابرة للحدود، والأموال عابرة للنظام الدولي، فإن الحرب نفسها لم تعد شأنًا داخليًا.

وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما في الحرب السودانية عدد الضحايا أو حجم الدمار، بل الاعتياد الدولي المتزايد على مشاهدة حرب بهذا التعقيد من دون محاولة جدية لتفكيك الشبكات التي تُبقيها مشتعلة.

السودانيون لا يطلبون من العالم أن يخوض حربهم، بل أن يتوقف عن تجاهل من يمدّها بأسباب البقاء.

ليست الحرب في السودان لغزًا… بل منظومة تعمل بوضوح، ولا أحد يوقفها.

13 مايو 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى