من فنادق نيروبي إلى جحيم الفاشر.. ميثاق يقطع آلاف الكيلومترات ولا يصل!

بقلم/ وائل عبدالخالق مالك:
في كل مرة تشتد فيها الخلافات والحروب علينا كسودانيين تنفتح جبهات للعمل المعارض في الخارج وتتدفق الديباجات الرنانة وتنضج المواثيق في غرف مكيّفة بعيداً عن رائحة البارود والدم. ثم يعود الجميع من أشباه الساسة ولا ساسة إلي منازلهم المريحة في المهجر ويبقى الشعب يكابد قضايا الحرب والمعيشة لوحده دون وجبع. هذا بالضبط ما جرى في 23 مايو 2026 حين أجازت ما تسمى بقوى إعلان المبادئ السوداني وثيقتها الجديدة التي أطلقت عليها اسم الميثاق. والمفارقة أن الميثاق بالعربية يحمل معنى العهد الملزم ولكن هذه الوثيقة لا تلزم أحداً بشيء يمكن قياسه أو محاسبته.
قبل أن أُناقش نص الميثاق أود أن أضع أمام القارئ ما يجري فعلاً على الأرض بينما كان المجتمعون يصقلون صياغاتهم. نحو 19.5 مليون سوداني يواجهون جوعاً حاداً. أكثر من ثمانية ملايين ونصف نازح داخلي لا يعرف أين يبيت. وفي الربع الأول من 2026 وحده قتل 880 مدنياً بمسيرات مليشيا الجنجويد. نداء الأمم المتحدة بـ 2.9 مليار دولار للسودان لم يحصل إلا على 16% من التمويل. هذا هو السودان الحقيقي لا السودان الذي تحتفل به الوثائق. ولعل الأجدر بالملاحظة أن الميثاق لا يذكر رقماً واحداً من هذه الأرقام. وثيقة تدعي أنها خارطة طريق لإنقاذ شعب لا تكلف نفسها عناء وصف جراحه بالأرقام. هذا ليس إغفالاً بل هو اختيار لأن الأرقام تلزم والالتزام يحرج.
انعقدت اجتماعات نيروبي على مدى ثلاثة أيام. حضرها د. عبدالله حمدوك الرجل الذي تولى رئاسة الوزراء إبان الفترة الانتقالية قبل فض المجلس العسكري للشراكة مع قوى اعلان الحرية والتغيير المجلس المركزي بالانقلاب الأبيض في اكتوبر 2021. حمدوك الذي رفض فض الشراكة ثم قبلها وعاد لرئاسة الوزراء ثم استقال ولم يعد منذ سنوات إلى أرض السودان الذي يتحدث باسمه. وحضرها عبدالواحد محمد نور وهو زعيم حركة مسلحة رفضت كل اتفاقيات السلام منذ أبوجا 2006 حتى اليوم ولا يزال رجاله يحملون السلاح في جبل مرة. وحضرها وجوه سياسية تقود لافتات شبه حزبية تتردد في كل بيان سوداني منذ عقدين. ما الجديد هنا؟ لا شيء في التركيبة. لا شيء في المواقف. لا شيء في الأسلوب. الجديد الوحيد هو اسم الوثيقة.
المثير للسخرية والرثاء في آن واحد هو أن هذا المشهد يقدم رؤيتين مختلفتين داخل الفضاء السياسي ذاته. إذا كان الحل سودانياً خالصاً فكيف تصبح المنصة الخارجية مركزه الحاسم؟ سؤال وجيه لم تجب عليه الوثيقة لأن الإجابة الصادقة محرجة. أما الدفاع الرسمي عن الاجتماع في الخارج الذي تقدم به احد قادة الصدفة لهذه القوى وهو أن الحرب والاستقطاب يصعبان النشاط داخل السودان فهو دفاع يصادر على الموضوع ولا يجيب على السؤال. نعم الحرب تصعب العمل الداخلي. لكنها لا تعفي من السؤال: هل يمكن لمن يدعي تمثيل إرادة شعب ألا يكون على أرض ذلك الشعب؟ لجان المقاومة الحقيقية وليست المصنوعة وغرف الطوارئ تعمل داخل مناطق النار. الإدارات الأهلية تدير الحياة تحت القصف. هؤلاء غائبون تماماً عن قائمة الموقعين غياباً لا تعلق عليه الوثيقة بكلمة واحدة.
التناقض الأكثر لفتاً للنظر في الوثيقة هو مطالبتها ببناء منظومة أمنية وعسكرية مهنية تخضع للسلطة المدنية في الوقت الذي يوقع عليها زعيم حركة مسلحة لم تسلم سلاحها ولا تنوي ذلك. الوثيقة صامتة تماماً عن هذا التناقض صمتاً يخبر أكثر مما يخفي. فإما أن عبدالواحد محمد نور يعفى من قاعدة نزع السلاح التي تطالب بها الآخرين وإما أن هذه القاعدة كلام على ورق لا معنى عملي له.
وفي السياق ذاته تحتل مليشيا الدعم السريع موقعاً غريباً في الوثيقة. هي الطرف الذي ارتكب المجازر في الجنينة والجزيرة والفاشر وما زال يذبح في أهل دارفور ويورد باعتباره جزءاً من طرفي الحرب في جملة واحدة عابرة. لا يحدد الميثاق ما إذا كان سيتم دمج الدعم السريع أو يحل أو يعاد هيكلته. وهذا بالضبط هو السؤال الذي سقطت بسببه كل مسارات التسوية السابقة من جوبا إلى جدة إلى القاهرة. الصمت عنه ليس حكمة تفاوضية بل هو تجنب ما يؤلم.
تردد الوثيقة مفردة السيادة بانتظام مدهش. وحدة السودان واستقلالية إرادته وصون سيادته على أرضه ومجاله الجوي وبحره الإقليمي. كل هذا حاضر بكثافة في كل صفحة تقريباً. لكن القوى ذاتها تستند في خارطة طريقها إلى مرجعية الآلية الرباعية التي تضم إلى جانب الولايات المتحدة والسعودية ومصر دولة الإمارات التي وثقت تقارير متعددة من خبراء الأمم المتحدة ومن وكالة رويترز إلى منظمة العفو الدولية دعمها المباشر لمليشيا الدعم السريع بالسلاح والتدريب والتمويل. أن تطالب الوثيقة بمحاسبة من أشعلوا الحرب وتمنح في الوقت ذاته دولة داعمة للمليشيا ودولة هي المتهم الاول في تأجيج واستمرارية الحرب دوراً محورياً في خارطة الطريق هذا ليس توازناً دبلوماسياً بل هو تناقض يكشف أن المسافة بين الخطاب السيادي والسلوك التفاوضي الفعلي واسعة جداً.
الوثيقة تعدد الأهداف بإسهاب يوحي بالجدية على شاكلة دولة فيدرالية، وعدالة انتقالية شاملة، وجيش مهني بعقيدة وطنية، وقضاء مستقل، وتنمية إقليمية متوازنة، وحقوق المرأة والشباب وذوي الإعاقة والبيئة وتغير المناخ. كل هذا في عشر صفحات. كل هذا دون جدول زمني واحد. دون مؤشر أداء واحد. دون آلية مساءلة واحدة. دون تحديد مصادر التمويل. دون تسمية الأطراف المسؤولة عن كل خطوة بالاسم والمهمة. هذا ليس برنامج عمل. هذا قائمة أمنيات يوقع عليها أناس يعرفون أنهم لن يحاسبوا على تحقيقها. الفرق الجوهري بين السياسي ومنتج الوثائق هو أن السياسي يخاطر بموقعه حين لا ينجز ما وعد. هؤلاء لا يخاطرون بشيء لأن لا شيء محدداً وعدوا بتنفيذه.
قبل الميثاق كان تحالف تقدم. وقبله كانت قوى الحرية والتغيير. وقبلها كانت أطر وتجمعات ومنابر تعلن في كمبالا وأديس أبابا وجنيف. كل تجمع انتهى بالانشقاق أو الحياد أو الذوبان. الميثاق الجديد لا يقدم تفسيراً واحداً مقنعاً لماذا ستكون هذه المرة مختلفة. وأكثر ما يقلق أن أصحابه لا يبدون قلقين من هذا السؤال أصلاً. قال كارل ماركس ذات مرة إن التاريخ يتكرر مرتين: مرة كمأساة ومرة كمهزلة. المأساة السودانية تجري على أرض السودان بالدم والنار. أما المهزلة فتنتج في فنادق نيروبي بالحبر والتصفيق.
لا أطالب هذه القوى بالصمت ولا أنكر أن بعض ما تطرحه من مبادئ صحيح في جوهره. الدولة المدنية الديمقراطية مطلب مشروع. وتفكيك منظومة الإنقاذ ضرورة لا نقاش فيها. ومحاسبة مجرمي الحرب واجب أخلاقي وقانوني. لكن الصدق وهو أول المسؤولية يقتضي الاعتراف بحجم ما تملكه هذه القوى فعلاً. فهي قوى لا تتمتع بحضور ميداني ولا قاعدة جماهيرية موثقة ولا رافعة ضغط حقيقية على القوات المسلحة أو حتى المليشيا المتمردة. الميثاق الذي يريح كاتبيه أكثر مما يلزمهم ليس ميثاقاً هو تأمين للذاكرة التاريخية الشخصية على حساب من يدفعون الثمن على الأرض.
السودان أكبر من حروبه كما قالت الوثيقة. لكنه أكبر أيضاً من نخب تتداول شعاراته في غرف مكيفة بينما يحترق. وحين يكتب التاريخ فصل هذه الحرب لن يفرق كثيراً بين من أشعلها ومن اكتفى بالصمت على جرائم المليشيا ويعمل ضد مؤسسات الدولة وجيشها النظامي بادعاء الحياد الزائف.


