
د.معاوية عبيد:
حين يطول الليل، يظن بعض الناس أن الفجر قد أخلف موعده، لكن سنة الله في الكون أن أشد ساعات الظلام اقترابًا من انبلاج الصبح. وهكذا كانت محنة السودان؛ ليلٌ ثقيلٌ أرخى سدوله على الأرض والناس، فتناثرت البيوت، وتفرقت الأسر، وغدا الوطن مرآةً تعكس وجع الفقد ومرارة النزوح. غير أن الأوطان العظيمة لا تُهزم ما دام في ترابها رجال يحملون البنادق دفاعًا عنها، وآخرون يحملون في قلوبهم رحمةً تعيد الحياة إلى أهلها.
لقد عبر السودان واحدًا من أكثر فصول تاريخه قسوةً، حين امتدت يد التمرد تعبث بالأرض والإنسان، فتهدمت البيوت، وتفرقت الأسر، وأصبح الوطن، الذي كان يتسع للجميع، محطات نزوحٍ ولجوء، وحقائب معلقة على أكتاف الحنين. غير أن إرادة الله شاءت أن ينهض الوطن من بين الركام، وأن تمضي القوات المسلحة، ومعها القوات المساندة والمستنفرون، في معركة استرداد الأرض وصون الكرامة، حتى عادت الجزيرة، وسنار، والخرطوم، وغيرها من ربوع البلاد، إلى حضن الوطن ، ولأن النصر لا يكتمل برفع الرايات فوق المدن المحررة وحدها، بل يكتمل حين يعود أصحاب تلك المدن إلى منازلهم، كان لا بد أن تعقب ملحمة التحرير ملحمةٌ أخرى؛ ملحمة إعادة الإنسان إلى موطنه، وإعادة الأمل إلى قلبه، وإعادة الوطن إلى ذاكرته اليومية ، و الأرض لا تكتمل حريتها إلا إذا عاد إليها أهلها، ولا يكتمل النصر إلا حين تُفتح أبواب البيوت التي أغلقتها الحرب .
من هنا بزغ برنامج العودة إلى الديار، حيث كتب ديوان الزكاة واحدةً من أنصع صفحات التكافل الوطني، حين تحولت الزكاة من مفهومٍ تعبدي إلى مشروع حياة، ومن موردٍ مالي إلى جسرٍ عبرت عليه آلاف الأسر من مرارة النزوح إلى دفء الأوطان ، تلك الأيقونة التي أطلقها ديوان الزكاة و تبناه ( العودة إلي الديار ) ، ولم تكن مجرد مشروع لنقل الأسر من مكان إلى آخر، وإنما كانت ملحمة إنسانية كتبتها قوافل الخير على امتداد السودان. من كسلا وبورتسودان، ومن شندي والدامر وعطبرة، ومن الأبيض وكوستي ودنقلا ومروي، انطلقت الحافلات تحمل وجوهًا أرهقها الانتظار، وقلوبًا أنهكها الشوق، وأحلامًا لم تمت رغم قسوة الطريق ، و هي تشتم رائحة البيوت، وتسمع أصوات الأمهات، وضحكات الأطفال، وذاكرة الأماكن التي رفضت أن تنسى أصحابها.
وحين اكتملت مراحل العودة في الداخل، اتجهت البوصلة إلى خارج الحدود، حيث آلاف السودانيين الذين فرضت عليهم الحرب أن يجعلوا من المنافي مساكن مؤقتة. وفي أرض الكنانة انطلقت الوثبة الجديدة، فدُشن وزير الموارد البشرية و الرعاية الإجتماعية معتصم أحمد صالح الوثبه الاولي لرحلات العودة لعشرات الآلاف من الأسر، إيذانًا بأن الوطن لا ينسى أبناءه، مهما ابتعدت بهم المسافات، و تواصلت رحلة العودة من أرض الكنانة و يشهد الأمين العام لديوان الزكاة د. يحي أحمد عبد الله القمراوي اكتمال رحلات الوثبه الاولي بعودة خمسة سوداني الي ديارهم ، وأعلن انطلاقة الوثبه الثانية بعودة الخمسة أسرة ليكتمل نصاب العشرة آلاف من الأسر من جمهورية مصر إلي مساكن قضايا و تكتمل الفرحة التي رسمها الديوان علي اولئك البسطاء ، ولأن الرسالة كانت أعمق من مجرد إعادة النازحين، جاءت المبادرة الإنسانية التي حملت معنى الرحمة قبل أي شيء آخر، و في خطوة إنسانية ووطنية بارزة وقع ديوان الزكاة اتفاقاً مشتركاً مع السفارة السودانية ولجنة “الأمل للعودة الطوعية”، يهدف إلى معالجة ملف 300 من الغارمين السودانيين المتواجدين داخل السجون المصرية، والتكفل بسداد مديونياتهم ونفقات ترحيلهم بالكامل إلى أرض الوطن حيث أوضح وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية،معتصم أحمد صالح، أن هذا الاتفاق يأتي امتداداً لمشروعات الديوان المستمرة لدعم الغارمين. وأعلن الوزير عن تدشين ( 100) بص لنقل المواطنين إلى السودان، مع الترتيب لدفع ( 100) بص إضافي في القريب العاجل ، وأكد الوزير أن الجهود تتجاوز الساحة المصرية لتشمل ملف العالقين في دول الجوار حيث تواجه الوزارة تحدي وجود نحو( 90 )ألف سوداني عالق في يوغندا إلى جانب أعداد كبيرة في ليبيا وجنوب السودان واشار إلى السعي لنقل تجربة ( العودة إلي الديار ) إلى تلك الدول بالتنسيق مع أصحاب العمل ورجال الأعمال الذين التزموا بالمساهمة في إعادة السودانيين من دول الخليج عبر الطيران والبواخر ،وكشف الوزير عن التزام شركات طيران ببدء تدشين رحلات مباشرة من ليبيا ويوغندا خلال الشهر الجاري، مؤكداً أن العملية تتطلب قرابة ال ( 650 ) رحلة طيران مما يستدعي تضافر كافة الجهود الوطنية والمجتمعية لتغطية التكلفة المالية،و أكد الأمين العام لديوان الزكاة، د. يحيى أحمد عبد الله القمراوي، أن الاتفاقية الموقعة لا تقتصر على سداد المديونيات والترحيل فحسب، بل تمتد لتشمل توفير المستلزمات الضرورية من غذاء وكساء للنزلاء داخل المحابس ، وشدد القمراوي على اهتمام الدولة البالغ بأوضاع السودانيين في المهاجر، قاطعاً بالتزام الديوان الكامل بإنفاذ الشراكات الذكية التي ترفع العبء عن كاهل المواطن. وأضاف القمراوي إن عودة أبناء الوطن إلى ديارهم هي الركيزة الأساسية للبدء في عمليات الإعمار، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وثمّن رئيس لجنة الأمل للعودة الطوعية، المهندس محمد وداعة، الدور الريادي لديوان الزكاة باعتباره الشريك الأساسي للجنة الامل لبرنامج العودة إلي الديار ، و بهذه البشريات و الكلمات الطيبة التي قهرت الظلام و أشرقت فجراً جديداً بإطلاق سراح ثلاثمائة سوداني من السجون المصرية، بعد أن قادتهم ظروف النزوح وضيق ذات اليد إلى خلف القضبان ، هذه الكلمات و البشريات ، لم تُفتح أبواب السجون بالمفاتيح وحدها، وإنما فُتحت بقيم التكافل، وبإيمانٍ راسخ بأن الإنسان لا ينبغي أن يُترك وحيدًا في محنته .
و من مصر امتدت البشريات إلى يوغندا وليبيا، مع ترتيبات لعودة السودانيين منهما، على أن تتواصل الرحلات نحو بقية الدول، حتى لا يبقى سوداني واحد يحمل غربته في قلبه وهو يتطلع إلى وطنٍ يستعيد عافيته.
إنها صورة ناصعة لمعنى الزكاة حين تتحول من أرقام في السجلات إلى دموع فرح، ومن بنودٍ في الميزانيات إلى أبواب تُفتح، وأسرٍ تجتمع، وأطفالٍ يعودون إلى أحضان أمهاتهم، وشيوخٍ يعانقون تراب قراهم بعد طول فراق، ولعل أجمل ما في هذه الملحمة أنها لم تكن جهد مؤسسة بعينها، وإنما كانت ثمرة تلاحم وطن بأكمله؛ قوات مسلحة تقاتل لتحرر الأرض، ومؤسسات تسابق الزمن لتضمد الجراح، ومحسنون بذلوا أموالهم، ومتطوعون وهبوا وقتهم، وشعب آمن بأن المحنة، مهما استعرت، لا بد أن تنكسر أمام إرادة الحياة.
إن الظلام لا يُقهر بالسلاح وحده، وإنما يُقهر حين يعود النازح إلى منزله، ويطمئن اللاجئ إلى أن وطنه ينتظره، ويجد الضعيف من يأخذ بيده، والمحتاج من يحفظ له كرامته.
وحين يعود آخر سوداني إلى داره، ويُرفع علم الوطن فوق آخر شبرٍ تحرر من دنس التمرد، لن يكون ذلك إعلانًا لنهاية حربٍ فحسب، بل سيكون إعلانًا لميلاد وطنٍ جديد، عرف الألم فعرف قيمة السلام، وعرف الفقد فعرف معنى التراحم، وعرف المحنة فخرج منها أصلب عودًا، وأشد إيمانًا بأن الليل، مهما استبدَّ بظلامه، لا يملك أن يمنع انبلاج الفجر.
ذلك هو قاهر الظلام… ليس شخصًا، ولا مؤسسة، بل وطنٌ بأكمله، حين تتوحد إرادته، ويؤمن أن بعد العسر يسرًا، وأن مع كل فجرٍ يولد السودان من جديد.



