مقالات

ويلتون بارك.. حضور بلا تفويض وسيادة تُغيَّب قسرًا

رانيا عمر

يثير اجتماع ويلتون بارك البريطاني المرتقب حول السودان سؤالًا يتجاوز تفاصيله الدبلوماسية: من يملك حق الحديث عن مستقبل الدولة السودانية؟

فوفقًا لما أُعلن، سيشارك في الاجتماع نصر الدين عبد الباري، أحد قيادات تحالف “تأسيس” المرتبط بالجناح السياسي لمليشيا الدعم السريع، إلى جانب ممثلين عن دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما لم تُوجَّه الدعوة إلى الحكومة السودانية.

ولا تكمن الإشكالية في قائمة المشاركين وحدها، بل في طبيعة التمثيل الذي يستند إليه كل طرف. فالمشاركة في منبر دولي لا تمنح تفويضًا شعبيًا، كما أن الحضور السياسي لا يعادل تمثيل الدولة أو مؤسساتها. وعندما يتعلق النقاش بمصير بلد بأكمله، يصبح سؤال الشرعية والصفة التي يتحدث بها المشاركون أمرًا أساسيًا قبل الحديث عن أي مخرجات.

ولهذا فإن أي مسار يبحث عن حل للأزمة السودانية يحتاج إلى النظر إلى ما هو أبعد من طاولة الحوار نفسها. فالاتفاقات لا تكتسب قيمتها من صياغتها فقط، بل من وجود جهة قادرة على تحويلها إلى واقع داخل الدولة، وهو ما يجعل المؤسسات الرسمية عنصرًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستدامة.

لكن الإشكال لا يرتبط فقط بهذا الاجتماع، بل يعكس نمطًا أوسع في التعاطي الدولي مع الملف السوداني منذ اندلاع الحرب. فقد شهدت الفترة الماضية مبادرات ومؤتمرات متعددة، من باريس إلى برلين واجتماعات المانحين، تناولت دعم السودان وإنهاء الحرب، بينما غُيِّبت الحكومة السودانية قسرًا عن بعض هذه المسارات رغم ارتباطها المباشر بقضايا الدولة ومستقبلها.

ويطرح ذلك سؤالًا حاسمًا حول طبيعة الحلول المطروحة: هل يمكن لمسار سياسي أن ينتج استقرارًا حقيقيًا إذا لم يرتبط بمؤسسات الدولة القادرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟ فالدعم الدولي قد يساعد في فتح أبواب التسوية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المؤسسات الوطنية أو يقوم بوظائفها.

وفي قلب الجدل حول اجتماع ويلتون بارك تأتي مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة، في ظل استمرار النقاش حول دورها في الحرب السودانية. فالإمارات تنفي الاتهامات الموجهة إليها بشأن دعم مليشيا الدعم السريع، بينما تناولت تقارير دولية وتحقيقات صحفية هذا الملف، مما جعله أحد أكثر جوانب الحرب إثارة للنقاش الخارجي.

كما أن الدور البريطاني يظل حاضرًا في قراءة هذا المشهد. فالمملكة المتحدة ليست فقط الدولة المستضيفة للاجتماع، بل طرف مؤثر في الملف السوداني. ولذلك لا يتعلق السؤال فقط بالمعلومات المتاحة لدى الدول الفاعلة، وإنما بكيفية انعكاس تلك المعلومات على خياراتها السياسية ومواقفها تجاه حل الأزمة.

وفي هذا السياق، نشر موقع “ميدل إيست آي” في 23 يوليو/تموز 2026 تقريرًا تناول شهادة ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، أمام لجنة برلمانية بريطانية. ووفقًا لما أورده التقرير، تحدث ريموند عن تحليلات ومعلومات قدمها فريقه بشأن الحرب في السودان، كما أشار إلى طلب مسؤولين بريطانيين نشر تحليل لبيانات هاتفية قال إنها تربط منشآت في الإمارات بمليشيا الدعم السريع.

وتكتسب هذه الإفادة أهميتها من موقعها داخل نقاش برلماني، لأنها تعيد طرح سؤال العلاقة بين طبيعة المعلومات المتاحة لدى صناع القرار وبين السياسات التي تُتخذ تجاه الأزمات الدولية، خصوصًا عندما تتداخل الاعتبارات السياسية والمصالح وتوازنات القوى مع الملفات الإنسانية والأمنية.

في النهاية، لا تتمثل قضية ويلتون بارك في حضور طرف أو غياب طرف آخر فقط، بل في المبدأ الذي ينبغي أن يحكم أي نقاش حول السودان: أن مستقبل الدول لا يُصاغ بمعزل عن مؤسساتها.

فالسيادة ليست مجرد حضور في قاعة دولية، ولا قرارًا يصدر من خارج الحدود، وإنما هي الاعتراف بحق الدولة في أن تكون طرفًا أصيلًا عندما تُناقش قضاياها وتُرسم ملامح مستقبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى