من يملك مفتاح باب الأمم المتحدة؟

رانيا عمر:
المشكلة ليست في أن واشنطن منحت أو حجبت تأشيرة. المشكلة تبدأ عندما تُستخدم التأشيرة عند باب الأمم المتحدة كأداة في تفاوض سياسي. فالفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، كان متجهاً إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا في زيارة ثنائية إلى الولايات المتحدة، وفي هذه الحالة تحديداً أفادت تقارير موثوقة بأن إصدار تأشيرته ارتبط بموقف السودان من مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً طرحه المستشار الأمريكي مسعد بولس. وبحسب رسالة المندوب السوداني لدى الأمم المتحدة إلى الأمين العام، طلب السودان تدخلاً أممياً في المسألة، فيما أكدت الأمانة العامة أنها أثارتها مع السلطات الأمريكية وأبدى الأمين العام أنطونيو غوتيريش قلقه بشأنها. ومن هنا تبدأ المسألة الحقيقية؛ فلو كان الأمر متعلقاً بدخول الفريق أول البرهان إلى واشنطن لعقد لقاء مع مسؤولين أمريكيين، لكان القرار جزءاً من العلاقة الثنائية بين دولتين، بكل ما فيها من خلافات وضغوط ومصالح. لكن الوجهة كانت مقر الأمم المتحدة، والمناسبة اجتماعاً رسمياً لدولة عضو في المنظمة. وهذا الفارق هو الذي ينقل القضية من حدود القرار القنصلي إلى حدود التزامات الدولة التي تستضيف مقر الأمم المتحدة. السودان ليس ذاهباً إلى واشنطن. السودان ذاهب إلى الأمم المتحدة.
وهذه الحقيقة تقتضي أولاً الفصل بين أمرين يجري الخلط بينهما: موقف الولايات المتحدة من السلطة الحاكمة في السودان، ومكانة السودان وتمثيله داخل الأمم المتحدة. فقد أعلنت واشنطن أن القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع وقيادتيهما لا تمثل، من وجهة نظرها، حكماً دستورياً شرعياً للسودان. لكن هذا إعلان أمريكي عن موقفها من الشرعية السياسية، وليس قراراً صادراً عن الأمم المتحدة بإسقاط عضوية السودان أو إنهاء تمثيله لديها. فالسودان ما زال دولة عضواً في المنظمة، وله بعثته الدائمة لدى الأمم المتحدة، ومشاركته في الجمعية العامة لا تستند إلى قبول واشنطن أو رفضها للحكومة السودانية، وإنما إلى عضوية الدولة في المنظمة وتمثيلها داخل مؤسساتها. وبذلك فإن عدم اعتراف واشنطن بحكومة ما لا يساوي تلقائياً إلغاء حق الدولة التي تمثلها في المشاركة داخل المنظمة الدولية، وهذه ليست مجرد قراءة سودانية للنظام الدولي، بل لها سند في التاريخ القانوني الأمريكي نفسه. ففي عام 1950، عندما بحثت وزارة الخارجية الأمريكية مسألة تأشيرات ممثلي الحكومة الشيوعية الصينية في وقت لم تكن واشنطن تعترف فيه بتلك الحكومة، ناقش المستشار القانوني للوزارة التزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاقية المقر، وكان النص الذي استند إليه واضحاً في أن السلطات الأمريكية لا تفرض عوائق على انتقال ممثلي الدول الأعضاء إلى منطقة مقر الأمم المتحدة، بل إن المذكرة بحثت المسألة تحديداً في سياق حكومة لا تعترف بها الولايات المتحدة. وهنا يصبح نص اتفاقية المقر هو النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش، لا طبيعة الخلاف السياسي بين واشنطن والخرطوم. فالأقسام 11 و12 و13 من الاتفاقية تضع إطاراً لانتقال ممثلي الدول الأعضاء والمدعوين إلى مقر المنظمة، وتنص على عدم فرض عوائق على وصولهم، وعلى منح التأشيرات المطلوبة في أسرع وقت ممكن.
لكن قوة هذه القاعدة لا تظهر في النص وحده، بل في الطريقة التي تعامل بها المجتمع الدولي مع حالات مشابهة. ففي مايو 2026، قالت روسيا إن الولايات المتحدة لم تمنح نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر أليمـوف تأشيرة لحضور اجتماع لمجلس الأمن، واعتبر المندوب الروسي ذلك خرقاً لالتزامات واشنطن بوصفها الدولة المضيفة، وسُجلت الواقعة في اجتماع رسمي لمجلس الأمن. وهذه الواقعة لا تحسم قانونياً قضية السودان، لكنها تكشف أن مسألة التأشيرات تصبح قضية تتصل بالتزامات الدولة المضيفة عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى مقر الأمم المتحدة، حتى في ظل خلافات سياسية حادة بين الدولة المضيفة والدولة صاحبة الوفد. والحالة الفلسطينية نقلت النقاش إلى مستوى آخر؛ ففي سبتمبر 2025، وبعد رفض الولايات المتحدة منح تأشيرات لمسؤولين فلسطينيين، اعتمدت الجمعية العامة ترتيبات تسمح للرئيس محمود عباس بتقديم كلمة مسجلة والمشاركة عن بُعد، وفي سبتمبر 2026 اتخذت الجمعية العامة ترتيبات مماثلة بعد استمرار أزمة التأشيرات الفلسطينية، مع إعادة التأكيد على الالتزامات التي تفرضها اتفاقية المقر على الدولة المضيفة. وإذا كانت هذه السوابق تشرح القاعدة، فإن الحالة الإيرانية في سبتمبر 2026 تضع أمامها اختباراً أكثر مباشرة؛ فقد وافقت الولايات المتحدة على منح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي وأعضاء الوفد الأساسي تأشيرات للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، رغم أن الولايات المتحدة وإيران كانتا لا تزالان في حالة حرب، ولم تكتفِ واشنطن بالسماح بالزيارة، بل قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن حضور الوفد الإيراني يأتي «اتساقاً مع التزاماتنا بوصفنا الدولة المضيفة» للأمم المتحدة. وهنا تحديداً تظهر المفارقة التي تجعل قضية تأشيرة الفريق أول البرهان أكبر من خلاف حول ورقة سفر؛ فعندما تكون واشنطن وطهران في مواجهة عسكرية، ثم تفصل الولايات المتحدة بين خلافها مع إيران وبين حضور وفدها إلى مقر الأمم المتحدة استناداً إلى التزامات الدولة المضيفة، يصبح من المشروع طرح السؤال نفسه في الحالة السودانية: هل يجوز أن تتحول المشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة إلى جزء من التفاوض حول قبول هدنة أو رفضها؟
المسألة هنا ليست الحكم على مقترح وقف إطلاق النار الأمريكي، ولا تقرير ما إذا كان السودان ينبغي أن يقبله أو يرفضه، فهذا ملف سياسي تفاوضي له حساباته وتعقيداته وأطرافه. المسألة هي الفصل بين مسارين مختلفين: مسار التفاوض لإنهاء الحرب، ومسار مشاركة دولة عضو في أعمال المنظمة الدولية. وهذا الفصل ليس تفصيلاً شكلياً؛ فإذا كانت الدولة المضيفة تستطيع أن تربط دخول ممثل دولة عضو إلى مقر الأمم المتحدة بقبول شرط سياسي في نزاع قائم، فإن وظيفة اتفاقية المقر نفسها تصبح موضع اختبار، لأن الدولة المضيفة لن تكون عندها فقط بوابة جغرافية لمقر المنظمة، وإنما طرفاً قادراً على استخدام موقعه للتأثير في شروط المشاركة داخلها. ومن هنا أيضاً تأتي أهمية التمييز بين حق الولايات المتحدة في إدارة حدودها وعلاقاتها الثنائية وبين مسؤولياتها الخاصة بوصفها الدولة التي تستضيف مقر الأمم المتحدة. فالسياسة الأمريكية تجاه السودان يمكن أن تكون موضع خلاف أو اتفاق، ويمكن لواشنطن أن تستخدم أدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي التي تراها مناسبة في علاقتها الثنائية، لكن وجود مقر المنظمة على الأراضي الأمريكية ينشئ إطاراً قانونياً مختلفاً عن الإطار الذي يحكم العلاقات بين دولتين.
لهذا فإن قضية تأشيرة البرهان لا تختبر فقط حدود الخلاف الأمريكي السوداني، وإنما تختبر أيضاً الحد الفاصل بين سلطة الدولة المضيفة والتزاماتها تجاه المنظمة الدولية. فإذا كان حضور ممثل دولة عضو إلى مقر الأمم المتحدة يمكن أن يرتبط بقبول شرط سياسي تضعه الدولة المضيفة، فإن السؤال لن يبقى متعلقاً بالسودان وحده، بل بمدى ثبات القواعد التي يفترض أن تحكم عمل الأمم المتحدة عندما تصطدم السياسة بالقانون.




