مقالات

الجميل الفاضل يكتب: شيء من غناء الروح

إن شيئاً من غناء الروح يترجمه اللسان قولاً عجباً، يتدفق عرمرما كما السيل، ينطوي على حلي ومتاع، وإن حمل فيما حمل زبداً رابياً.

هكذا شأن المتصوفة حال شطحهم الذي يستند على لغةٍ روحانيةٍ مفارقة هي “السريانية”.
تلك اللغة التي يعتبرها “القوم” أم اللغات وجماعُها، حين تحلق بها الروح في حال الجذب، وعند انعتاقها عن أحكام طبائع الأشياء المادية.
المهم من منا لم يسمع بل ويطرب، لقول الشيخ احمد الشايقي: “شالو شِلشلَّة من يد لي يد
لمكاشفي بُدُلَّة كلامو متين
فات غوث الغوث
كرسين باب الله
في مهما يكون
دنا فتدلَّى لككين فككين”.

أو قول طلحة البطحاني في مدحته “طبل أم كك يمين لا شك.
أك و أكيك سكا في الله”.

إذ يتخذ الشيخ الشايقي بعضاً من النقاط والحروف مداخلا إلى عوالم الروح كقوله “دخل بالباء فتح غُربا جاب السككي تحتو الشُربا”.

وبدا لافتاً لي أن استعارتي أبيات للشيخ الشايقي في إشارة لإرهاصات ما يمكن حدوثه، قد أثارت دهشة وفضولاً واسعاً.

شجعني على استدعاء نص شهير ماتع للشيخ انف الذكر يقول:
في اللن ولي مكاشـــــــــــفي القوم
يطـــــــــــــــوف بام قلة نظر بالعين
الراوي تعلى طــــــــــلب باب الكريم
هـــــــــــو الله لطــــــــــــيف ومعين
علــــــينا تجلى ينــــــــــضم سلكي
في سلـــــــك أهــــل الله بحق آمين
نعمــــــــه اصحابو البيــــــــــــهم كلا
كــــــــــــلود الدين في بدر جلولا عينين بينين
هـــــانو فـــلفلا
نفوس ودروج
دروع وكللا
كــــــــــــــــفر ميـــتين
شــــــقلب ســــمي الله لطــــــــــريق جيلان كيلان متـــــدلا
رجال بايعين دمـاء غير علة سلـــــــــوك وهـــــــــلوك
قاصــدين وجه الله
وربح في الحين
شـــــــــــــالو شلشلا
مــــــن يد لي يد
لي مكاشـــــــــفي مولي كلامــو متين
فات غوث الغــــــوث
كرسين باب الله
في مهما يكــــــــــــــــون
دنا فتـــــــــــــــــدلي
لككين فـــــــــككين
اببين كــــــــــم بلا بحـــــــــــار ومطار
وعجـــــود برتلا
سقي الدايحـــــــــين
يجو مــــــــــــن بيت الله عجم وكجم
في رطيــــــن كم حلا
كلام في الحين
عجــــــمي عبدالله
قضــاف ونظام
شي من ســــــر الله
لككين فــــككين
ابوصــــــــوبان دفع الله
من اك لي كك
لي مســـــــــــلمي يلا دقــــــر ياعين
في مجــــلـــــس مكة
مكوك مكك الله
في طــــــــرقنا جلل المكـــاشفي مولي
ختم يس
ادوا السـلسلة يربط ويحل
في الليل كم صـــــــلي والناس نايمين
عاجبـــــــــني ســـيادي عمايد الدينا
في جمع البلكي
صلاتي مـتينا
وقبب تحصين
جـــــــــود غير ضغينا
تسوق عرباتو
مرور وطحينا
وزيوت بنزين
الشــــــايقي رجز عامــــــــللو رطينا
واقـــــــف جب حـــــــــمار في طينا
راجي الصـــــــــــالحين يدو البنزينا
يطير طـــــــــــــــياروا مع الطايرين
افـــــــــكم ســـــــــــــــــــــــــــاردين
صلاة وسلام
مشحونه حسينة
يكبسها طرود
يخزنها خــــــزينة
ليــــوم الدين
ياهــــــــــــادي اهــــدنا
كما انعـــــمت
عليــهم لينا ولا الضــالين.

وهي قصيدة معقدة التراكيب والجمل، كتبها الراوي في مدح شيخه الشيخ عبدالباقي المكاشفي.

يمكن الإضاءة حولها بالآتي:
“فات غوث الغوث كرسين باب الله بمهما يكون لنا فتدلى لككين فككين”
الغوث: أعلى درجات الولاية وهو اصطلاح مشهور عند الصوفية
كرسين: وهي القلادة وقِلادة ذات كِرْسَيْن أَي ذات نَظْمين .
وأَنشدوا: أَرِقْتُ لِطَيْف زارني في المَجَاسِدِ، وأَكْراس دُرٍّ فُصِّلَتْ بالفَرائدِ.
لككين: في العامية السودانية تلكلك الأمر إذا صعب وتعثر
فككين: يفك المشكلات.

أي أن الشيخ وصل لمقام علا فيه على الأغواث فصار في باب الوصول إلى الله وطريق القوم كالقلادة فضلاً ونفاسة، ومهما يكون من المعضلات والمشكلات التي تعرض علينا في هذا الطريق فهو يفكها ويحلها.
“أجج و ججلا مساعي المال توكيلو على الله دوام واردين”.
أجج: اضرم النار
والججل: القيد
بمعنى أنه احرق حب المال في قلبه فلا يأبه بالمال ويتوكل على الله دوماً في تصريف دنياه وهذا مشهور في سيرة الشيخ فلم يكن له جيب في ما يلبس قط وقد نذر لله ألا يبيت عنده قرش للغد وبقعته المباركة “الشكينيبة” هي مأوًى ذوي الحاجات والمساكين والعفاة من الناس.

“أدنى الدرجات مكاشفي مولى يعطيك ماتدور من قام ماكلا في دنيا ودين”.

أي أن الشيخ يدني مريده ويقربه في طريق الرجعى إلى الله بما يسديه لهم من نصح وإرشاد وما يحوطهم به من رعاية، ويوصلهم إلى ما يأملونه من مقامات في طريق الإحسان.
“من قام ما كلّ في دنيا ودين”.

أي أنه منذ نشأته لم يتعب في الدنيا التي تأتيه راغمة وهو غير حافل بها، ولم يتعب في الوصول لتلك المقامات العلية في الأخلاق والمواهب التي أفاضها عليه ربه من غير كد وجهد والله ذو الفضل العظيم.
“في مجلس مكه مكوك مكك الله في طرقنا جلل مكاشفي مولى ختم ياسين”
مكوك ومكك: جمع مك وهو الزعيم.
يشير إلى اجتماع الأجلة من كبار الأولياء والصالحين من أهل طريق الحق في مكة وتوليةالشيخ وتقدمه عليهم.
“ادو السلسله يربط ويحل في الليل كم صلى والناس نايمين”.

أي تقدم على القوم وأجرى الله سبحانه على تعالى الكرامات وهي خوارق العادات التي يجريها الله على يد عبد صالح من غير دعوى.

والشيخ لم يفتر عن صلاة الليل وقيامه فالليل عش الصالحين وسكنهم، وقيام الليل عند الصوفية هو أحد أركان الطريق الأربعة المنظومة في قولهم:
بيت الولاية قسمت أركانه
ساداتنا فيه من الأبدال
ما بين جوع واعتزال دائمٍ
والصمت والسهر النزيه العالي.
“أبابين كم بلّي بحار ومطار وعُجز بردلا سقي الدايحين”.
أبابين: من الإباء
بردلا: أي كان برداً عليهم
الدايحين: جمع مفرده دايح وهو السائر على غير هدى
والمعنى أنه كم قاد وهدى أنفساً كانت أبية عصية على قبول الحق والعمل به فأنزل عليها غيث إرشاده وسقاها من بحر إمداده، وكان برداً وسلاماً على العاجزين والدايحين يأخذ بيدهم من بحر الحياة المسجور بالفتن.
“يجو من بيت الله عجم وكجم في رطين كم حلا الكلام في الحين”.

يتحدث الناظم عمن يأتون إلى الشيخ من بيت الله من العجم والكجم، وهم الذين لا يحسنون الحديث، فيفهم كلامهم ويحادثهم في الحين من غير حاجة لمترجم.
“عجمي عبدالله قطاف ونظام شايلين سر الله لككين فككين”.
هو الشيخ حبيب الله العجمي شيخ الشيخ عبد الله العركي وتلميذ الشيخ تاج الدين البهاري الذي أدخل الطريقة القادرية إلى السودان وسلسلة رجال الطريق إلى الشيخ عبد الباقي المكاشفي تمر عبره.
والمعنى أن طريقه الشيخ ملئ بالثمار وهي مجاز عن الفيوضات والإمدادات، ولككين فككين أي يحلون هذه الأسرار من العلوم اللدنية ويفهمونها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق