محمد بابكر يكتب: الخرطوم تنهض من وسط الركام

ما رأيناه في الخرطوم خلال زيارتنا الأخيرة ضمن الوفد الصحفي يتجاوز مجرد إعادة الإعمار إنها قصة ملهمة عن قدرة الروح الإنسانية على النهوض من العدم وتحويل الألم إلى أمل والحطام إلى أساس لبناء أقوى.
إنها شهادة حية على أن السودان وطن لا يموت بل يولد من جديد في كل مرة أقوى وأكثر إصراراً على الحياة.
لم يكن مشهد الدمار قبل إعادة الاعمار في ولاية الخرطوم مجرد أثر خلفته الحرب بل كان نتيجة لجريمة منظمة هدفها النهائي تفكيك الدولة السودانية وتجريدها من كل مقومات القوة والحياة.
كانت الخطة هي محو السودان لا مجرد السيطرة عليه.
الأدلة المادية على الأرض تقدم رواية متماسكة لا يمكن إنكارها
لم يكن قصف المقار الحكومية عشوائيا بل عملية إعدام رمزي ومادي لمؤسسات الدولة بهدف خلق فراغ إداري شامل.
الهجوم على البنوك والمصانع لم يكن للغنيمة فقط بل كان ضربة استباقية لتعطيل الدورة الاقتصادية وإدخال البلاد في صدمة مالية.
كان تدمير شبكات الكهرباء والمياه قراراً استراتيجياً لفرض عزلة تامة وشل قدرة المجتمع على التواصل والعمل.
حرق المعالم العمرانية الحديثة والاعتداء على الصروح التعليمية كان محاولة لمحو هوية الخرطوم المعاصرة وقطع الصلة بين الأجيال القادمة والمعرفة.
تدمير المستشفيات وسرقة المنازل وجرائم القتل والاغتصاب لم تكن تجاوزات فردية بل سياسة ممنهجة لترويع المجتمع وكسر إرادته وتحطيم نسيجه الأخلاقي.
لكن بعزيمة الرجال عادت الخرطوم في زينتها ورأينا كيف نهضت العاصمة وتعافت ودبت الحياة في أوصالها وكأن شيئاً لم يكن. فالضربات التي لاتقصم الظهر تزيده قوة.
إن نهاية القتال ليست نهاية المعركة فالمعركة الحقيقية تبدأ الآن في إعادة الإعمار وتأهيل العاصمة. وهذا يتطلب حزماً وسرعة في التنفيذ عبر مسارات متوازية مما يؤكد أن الفريق إبراهيم جابر هو الرجل المناسب لهذه المرحلة.
لقد رأينا في جولتنا كيف أن لجنة إعادة الإعمار تعمل على قدم وساق وكيف أن الأجهزة الأمنية تقوم بمهامها لفرض سيادة الدولة الكاملة. الخرطوم اليوم أصبحت أكثر أمناً من أي عهد مضى وخالية من الوجود الأجنبي غير المنظم والمظاهر العسكرية بفضل توجيهات القيادة العليا.
إن إعادة بناء الدور والمؤسسات يجب أن يتزامن مع إعادة بناء الإنسان والمجتمع. ولتحقيق ذلك يجب العمل على عدة مسارات حاسمة
لا سلام بدون عدالة فيجب تفعيل آليات قضائية استثنائية لمحاكمة كل من تورط في هذه الجرائم ليكونوا عبرة لمن يعتبر.
إطلاق عملية وطنية واسعة لتعقب ومصادرة كل ما تم نهبه فهذه الثروات هي ملك للشعب ويجب أن تكون وقوداً لإعادة الإعمار.
الأولوية القصوى هي إعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه وتأهيل المستشفيات والمدارس.
وقد لمسنا كيف قطعت اللجنة شوطاً كبيراً في هذا المجال مما سمح بعودة الآلاف من المواطنين.
بناء شراكة حقيقية بين الأجهزة الأمنية والمجتمعات المحلية فاللجان الأهلية هي خط الدفاع الأول والشريك الأساسي في استعادة الاستقرار.
إطلاق مشروع فكري وثقافي يبدأ من المناهج الدراسية لتعزيز مفهوم المواطنة الجامعة ونبذ الفرقة وبناء هوية سودانية صلبة.
لقد كانت الحرب درساً قاسيا لكنها كشفت عن معدن هذا الشعب الأصيل. الخرطوم اليوم لا تنهض من تحت الركام فحسب بل تنهض وهي تحمل حكمة التجربة وقوة الصمود.
إن كل حجر يعاد إلى مكانه هو بمثابة عهد جديد بأن لا عودة للوراء وأن أمن الوطن وسيادته خط أحمر. المستقبل الذي ينتظرنا ليس مجرد عودة إلى ما كنا عليه بل هو انطلاقة نحو سودان أكثر وعياً ومنعة وقوة ووطن تعلم من آلامه كيف يحمي نفسه ويبني مجده.


