حين تحوّلت الأرض إلى منفى

بقلم/ طه هارون حامد:
لم تكن حرب السودان مجرّد صراعٍ بالسلاح، بل كانت زلزالًا ضرب الإنسان والأرض معًا. فتحت أبوابًا واسعة للتصحر والفيضانات وتغيّر المناخ، وكأن الطبيعة نفسها دخلت دائرة الحرب. احترقت الحقول، وجفّت التربة، وتحوّل الغطاء الحيوي الذي كان مصدر حياة إلى أثرٍ بعد عين.
مع غياب الدولة وانشغال الناس بالنجاة، تعرّضت الأشجار لقطعٍ جائر، لا لأن الإنسان عدوّ للطبيعة، بل لأن الجوع أقسى من الوعي، ولأن البقاء صار أولوية. شجرةٌ تُقطع اليوم تعني نارًا تدفئ أسرة نازحة، لكنها تعني غدًا أرضًا عارية، ورياحًا تحمل الغبار بدل المطر، ومواسم لا تأتي.
الفيضانات، التي كانت يومًا حدثًا موسميًا، صارت أكثر شراسة. التربة المتعبة لا تمتص الماء، والوديان الغاضبة تجرف ما تبقّى من بيوتٍ هشّة. وبين التصحر والفيضان، يقف الإنسان السوداني محاصرًا، لا يملك إلا جسده ليحمله من مكان إلى آخر.
هكذا أصبح المجتمع بأكمله في حالة تجوّلٍ دائم. قرى أُفرغت، ومدن ضاقت بأهلها، وحدود عبرها الناس لا بحثًا عن حياة أفضل، بل هربًا من موتٍ أقرب. النازح داخل وطنه فقد جذوره، واللاجئ خارجه فقد صوته، وكلاهما يحمل الوطن كجرحٍ مفتوح في الذاكرة.
النازح لا يسأل عن المستقبل، بل عن مكانٍ آمنٍ لهذه الليلة. واللاجئ لا يحلم بالاستقرار، بل بالعودة. أطفالٌ كبروا قبل أوانهم، ونساءٌ صرن عمود الأسرة، وشيوخٌ يتكئون على الحنين أكثر من العصي. الجميع يشترك في فقدٍ واحد: فقدان الإحساس بأن الأرض ثابتة تحت الأقدام.
إن ما يحدث في السودان ليس أزمة إنسانية فقط، بل جريمة بيئية طويلة الأمد. فالحرب حين تمتد، لا تقتل البشر وحدهم، بل تقتل التوازن، وتكسر العلاقة القديمة بين الإنسان وأرضه. وحين تنتهي الحرب – إن انتهت – سيحتاج السودان إلى سلامٍ مع نفسه، ومع طبيعته، قبل أي شيء آخر.




