سيطرة المؤسسة العسكرية على النشاط الاقتصادي في دول العالم الثالث: الأسباب، التأثيرات، والنتائج

د.أسامة سيدأحمد حسين:
مركز تدبر للبحث العلمي
٢١/٢/٢٠٢٦ السبت
مقدمة
تشكل ظاهرة توسع الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية في دول العالم الثالث (أو ما يُعرف بالجنوب العالمي) إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه جهود التنمية والتحول الديمقراطي في هذه الدول. ففي العديد من بلدان أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، لم تعد المؤسسة العسكرية مجرد جهاز معني بالأمن القومي والدفاع عن السيادة، بل تحولت إلى فاعل اقتصادي رئيسي يمتلك شركات ومصانع ومزارع، ويسيطر على قطاعات استراتيجية كاملة . هذه الورقة تقدم بحثاً رصيناً حول هذه الظاهرة، محللة أسبابها الجذرية، وتأثيراتها المتعددة، ونتائجها على اقتصاد ونمو دول العالم الثالث.
الإطار المفاهيمي والنظري
مفهوم سيطرة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد
يقصد بسيطرة المؤسسة العسكرية على النشاط الاقتصادي تحول القوات المسلحة من جهة محايدة مهمتها الدفاع عن البلاد إلى فاعل اقتصادي مباشر، سواء من خلال امتلاك شركات ومصانع، أو عبر السيطرة على موارد طبيعية، أو من خلال احتكار قطاعات اقتصادية كاملة . ويختلف هذا النموذج عن التدخل العسكري المباشر في الحكم (الأنظمة العسكرية) إذ قد يحدث تحت غطاء حكم مدني شكلي.
نماذج تفسير الظاهرة
تشير الدراسات النظرية إلى أن سيطرة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد ترتبط بما وصفه دوغلاس نورث وزملاؤه بـ”أنظمة الوصول المحدود” (limited access orders)، حيث تعمل النخب الحاكمة – بما فيها العسكرية – على تقييد وصول القوى الاجتماعية الأخرى إلى الموارد والأنشطة الاقتصادية القيمة، مثل الأراضي والعمالة ورأس المال والتجارة والأسواق والخدمات العامة .
كما يقدم نموذج “الجيش الحاكم” الذي طوره الباحثون تصنيفاً لأشكال سيطرة النخبة العسكرية، ومنها نمط “الجيش الرقيب” الذي يمتلك قوة الاعتراض على القوى السياسية، ونمط “الجيش الحاكم” الذي يمسك بزمام السلطة السياسية والاقتصادية معاً .
الأسباب الجذرية للسيطرة الاقتصادية العسكرية
1. الأسباب السياسية
ضعف الدولة ومؤسساتها المدنية: غالباً ما تنشأ الظاهرة في دول تعاني من ضعف مؤسسات الدولة المدنية وهشاشة النظام السياسي. فعجز الحكومات المدنية عن القيام بمهامها في حل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية يخلق فراغاً تسارع المؤسسة العسكرية لملئه بحكم طبيعتها المنضبطة والهرمية . ففي مصر مثلاً، تزامن التوسع الكبير لدور الجيش الاقتصادي بعد 2013 مع تردد القطاع الخاص وعزوف المستثمرين الأجانب، مما دفع النظام للاعتماد على المؤسسة العسكرية كأداة لتحفيز الاقتصاد وخلق فرص عمل .
شرعية النظام واحتياجه لدعم الجيش: كثيراً ما تلجأ الأنظمة الهشة سياسياً إلى تمكين الجيش اقتصادياً مقابل ضمان ولائه ودعمه لاستمرار الحكم. وتتحول العلاقة إلى “تبادل مصالح” حيث يحصل العسكر على امتيازات اقتصادية مقابل توفير الأمن والحماية للنظام .
تاريخ الاستعمار ومرحلة التحرر الوطني: في العديد من دول العالم الثالث، قاد الجيش حركات التحرر الوطني، مما منحه شرعية تاريخية ودوراً سياسياً واقتصادياً موسعاً بعد الاستقلال. فقد لعب الجيش في الجزائر ومصر وسوريا أدواراً تأسيسية جعلت الحدود بين الدولة والمؤسسة العسكرية غير واضحة .
2. الأسباب الاقتصادية
تراجع الموارد العامة والضغوط المالية: تواجه العديد من دول العالم الثالث أزمات مالية خانقة تدفعها للبحث عن موارد إضافية خارج الموازنة العامة. ففي مصر، كان خفض ميزانية الدفاع بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد (1979) سبباً مباشراً لاتجاه الجيش نحو النشاط الاقتصادي لتعويض النقص في التمويل .
سياسات الخصخصة والتحرر الاقتصادي: أدت برامج الخصخصة التي فرضتها مؤسسات التمويل الدولية (صندوق النقد والبنك الدولي) على دول العالم الثالث إلى تفكيك قطاع العام، لكنها لم تؤد بالضرورة إلى توسع القطاع الخاص، بل فتحت المجال أحياناً للمؤسسة العسكرية لشراء أصول الدولة بأسعار رمزية. في التسعينيات، ومع بدء تطبيق سياسات الخصخصة في مصر، وسع الجيش نشاطه ليشمل إنتاج السلع المدنية والخدمات، وأقام المزيد من الشركات والمصانع والمزارع .
الموارد الريعية: توفر الموارد الطبيعية (النفط والغاز والمعادن) إغراءً كبيراً للسيطرة العسكرية، حيث تدر عوائد ضخمة يمكن توجيهها بعيداً عن الرقابة المدنية. في دول مثل أنغولا والجزائر والعراق والسودان، لعبت المؤسسة العسكرية أدواراً محورية في إدارة الثروات النفطية والمعدنية .
3. الأسباب المؤسسية والتنظيمية
القدرات التنظيمية للجيش: تتمتع المؤسسة العسكرية بهيكل تنظيمي مركزي وانضباطي وقدرة على تنفيذ المشروعات الكبرى، مما يجعلها خياراً مغرياً للأنظمة التي تواجه صعوبات في بناء مؤسسات مدنية فعالة. يضاف إلى ذلك امتلاك الجيش لقدرات لوجستية وهندسية وبشرية يمكن توظيفها في المشروعات الاقتصادية .
السرية وغياب الرقابة: تعمل المؤسسة العسكرية في الغالب بعيداً عن الرقابة البرلمانية والمدنية، وتتمتع ميزانياتها واستثماراتها بدرجة عالية من السرية، مما يخلق بيئة خصبة لنمو الإمبراطوريات الاقتصادية دون مساءلة. ففي مصر، لا تخضع شركات الجيش للرقابة من الجهاز المركزي للمحاسبات ولا لوزارة الاستثمار .
4. الأسباب الاجتماعية والثقافية
الثقة الشعبية في المؤسسة العسكرية: تشير استطلاعات الرأي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أن نحو 70% من المواطنين يثقون في قواتهم المسلحة، وهي نسبة تفوق بكثير ثقتهم في المؤسسات الأخرى كالبرلمانات والأحزاب والحكومات . هذه الثقة تمنح الجيش غطاءً شعبياً للتوسع الاقتصادي، خاصة عندما يتم تقديم دوره كحارس للاستقرار ومنفذ للمشروعات القومية.
خيبة الأمل في السياسة والأحزاب: تعكس الثقة العالية في الجيش حالة الإحباط من الأداء الحكومي والحزبي، حيث ينظر المواطنون إلى المؤسسة العسكرية كبديل أكثر كفاءة ونزاهة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات .
التأثيرات الاقتصادية للسيطرة العسكرية
1. التأثيرات على هيكل الاقتصاد
تشوه هيكل السوق والمنافسة: يؤدي نشاط الجيش التجاري إلى خلق سوق غير متكافئة، حيث تتمتع شركاته بمزايا تنافسية لا تتوفر للقطاع الخاص، كالإعفاءات الضريبية والجمركية، والوصول التفضيلي للأراضي والتمويل، وتجنب إجراءات التراخيص المعقدة. هذا الوضع يخلق “ملعباً غير متكافئ” ويعيق تطور قطاع خاص حقيقي .
احتكار القطاعات الاستراتيجية: في العديد من الدول، تسيطر المؤسسة العسكرية على قطاعات اقتصادية كاملة. ففي مصر، يمتد نشاط الجيش ليشمل التشييد والبناء (من خلال جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وشركاته)، والصناعات الغذائية، والزراعة، والخدمات البترولية، وصناعة الأسمنت، وحتى السلع الاستهلاكية “من الغسالات إلى زيت الزيتون” كما وصفتها وكالة بلومبرغ .
إضعاف القطاع الخاص: يؤدي توسع الجيش الاقتصادي إلى تهميش دور القطاع الخاص كقوة اجتماعية وسياسية. ففي مصر، حرص النظام المدعوم من الجيش بعد 2013 على إبقاء رجال الأعمال المستقلين بعيداً عن صنع السياسة الاقتصادية، بل ونظر إليهم كمنافسين سياسيين محتملين، على عكس نماذج أخرى (كأمريكا اللاتينية وتركيا) حيث تحالف الجيش مع قطاع خاص قوي .
2. التأثيرات على الاستثمار
عزوف المستثمرين المحليين والأجانب: ينظر المستثمرون الأجانب إلى هيمنة الجيش على الاقتصاد كعائق أمام الاستثمار. ففي التقرير الذي أعدته وكالة بلومبرغ (أغسطس 2016)، اعتبرت أن إنهاء “الاحتكار الصناعي العسكري” شرط أساسي لعودة مصر مكاناً جاذباً للاستثمار .
عدم اليقين التنظيمي: يتسم النشاط الاقتصادي العسكري بعدم الشفافية وغياب القواعد الواضحة، مما يخلق بيئة من عدم اليقين للمستثمرين الذين لا يستطيعون التنبؤ بقرارات السوق أو ضمان تكافؤ الفرص.
3. التأثيرات على الكفاءة الاقتصادية
ضعف الحوافز للإنتاجية: غالباً ما تعمل الشركات العسكرية في بيئة محمية من المنافسة، مما يقلل الحوافز لتحسين الإنتاجية والجودة وخفض التكاليف. فالشركات العسكرية لا تواجه خطر الإفلاس أو الخسارة بنفس درجة شركات القطاع الخاص، نظراً لدعم الدولة المستمر لها.
تخصيص الموارد بشكل غير كفء: يؤدي توجيه الموارد (الأراضي ورأس المال والكفاءات) إلى المشروعات العسكرية إلى حرمان القطاعات المدنية المنتجة منها. كما أن أفضل الكفاءات العلمية والفنية تستقطبها الصناعات العسكرية بدلاً من توجيهها للقطاعات الإنتاجية المدنية .
4. التأثيرات على المالية العامة
تداخل الميزانيات: يؤدي النشاط الاقتصادي للجيش إلى تداخل ميزانية الدفاع مع موازنات المشروعات الاقتصادية، مما يصعّب تقدير التكلفة الحقيقية للإنفاق العسكري ويحد من شفافية المالية العامة .
التهرب الضريبي وفقدان الإيرادات: تمتع الشركات العسكرية بالإعفاءات الضريبية والجمركية يحرم الخزانة العامة من موارد كانت ستدخلها لو كان النشاط بيد القطاع الخاص الخاضع للضريبة.
النتائج على نمو الدول وتنميتها
1. العلاقة مع النمو الاقتصادي: جدل الإيجابيات والسلبيات
النموذج الإيجابي قصير الأجل: قد تحقق المشروعات العسكرية نمواً سريعاً في قطاعات محددة، خاصة في فترات الأزمات، نظراً لقدرتها على التعبئة السريعة للموارد وتنفيذ المشروعات الكبرى. وقد أشارت دراسة حول دول البريكس إلى وجود تأثير إيجابي معنوي للإنفاق العسكري على النمو الاقتصادي في الأجل الطويل .
التأثيرات السلبية طويلة الأجل: لكن هذه المكاسب الجزئية تقابلها تكاليف إنمائية كبيرة. فالدراسات تشير إلى أن زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 1% فقط من الناتج المحلي يمكن أن تؤدي خلال خمس سنوات إلى تراجع قدرات الاقتصاد الوطني بنسبة 0.7% . كما أن الإنفاق العسكري العالمي يفوق ستة أضعاف خدمة الديون الخارجية للبلدان النامية.
الاستنزاف التنموي: الأموال التي توجه للإنفاق العسكري والمشروعات الاقتصادية العسكرية كانت يمكن أن تخصص للإنفاق على القطاعات المنتجة وتطوير البنى التحتية والتعليم والصحة. فتكلفة إنتاج غواصة نووية واحدة، على سبيل المثال، تساوي ميزانية التعليم السنوي لأكثر من 26 بلداً نامياً .
2. النتائج على التنمية البشرية
تدمير رأس المال البشري: يؤدي توجه أفضل الكفاءات العلمية للعمل في القطاعات العسكرية إلى حرمان قطاعات التعليم والصحة والبحث العلمي المدني منها. والأخطر من ذلك هو تدمير رأس المال البشري نتيجة الحروب والنزاعات التي تغذيها سباقات التسلح .
تفاقم الفقر وعدم المساواة: تتركز فوائد الإمبراطوريات الاقتصادية العسكرية في أيدي نخبة محدودة، بينما يتحمل المجتمع ككل تكاليفها. كما أن إهدار الموارد على التسلح والمشروعات العسكرية غير المنتجة يحرم الفئات الأفقر من الخدمات الأساسية.
3. النتائج السياسية والمؤسسية
تعزيز أنظمة الوصول المحدود: تساهم السيطرة العسكرية على الاقتصاد في تعزيز “أنظمة الوصول المحدود” حيث تحتكر النخب العسكرية والسياسية والاقتصادية الموارد وتمنع القوى الاجتماعية الأخرى من الوصول إليها. هذا يخلق دائرة مفرغة من إعادة إنتاج التخلف وضعف المؤسسات .
إعاقة التحول الديمقراطي: يشكل الاقتصاد العسكري عقبة كأداء أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي، لأنه يخلق قوى مصلحية قوية داخل المؤسسة العسكرية تجعلها غير مستعدة للتخلي عن مواقعها الاقتصادية. كما أن اعتماد الدولة على الجيش في التنمية يعكس تخلياً عن بناء مؤسسات مدنية قوية .
تكريس الأنظمة الهجينة: تؤدي هذه الظاهرة إلى خلق أنظمة “شبه دولة” أو “دولة البيروتوريّة” (حسب تعبير أموس برلموتر)، حيث يكون الجيش مصدر السلطة الشرعية الفعلية، وتحكمه نخب عسكرية تتقاسم السلطة والثروة .
4. النتائج على العلاقات الدولية
سباقات التسلح الإقليمية: يؤدي توسع الدور الاقتصادي العسكري إلى تعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية في صنع القرار الخارجي، مما قد يغذي سباقات تسلح إقليمية ويزيد من احتمالات النزاعات. الإنفاق العسكري العالمي بلغ مستوى قياسياً قدره 2.2 تريليون دولار في 2023 .
علاقات دولية مشوهة: قد تسعى المؤسسة العسكرية -باعتبارها فاعلاً اقتصادياً- إلى إقامة علاقات خارجية تخدم مصالحها الاقتصادية الخاصة، بغض النظر عن المصلحة الوطنية العامة، مما يشوه السياسة الخارجية للدولة.
دراسات حالةمصر:
نموذج التوسع العسكري في الاقتصاد:
يمثل الجيش المصري نموذجاً بارزاً لتحول المؤسسة العسكرية إلى إمبراطورية اقتصادية شاملة. بدأ النشاط الاقتصادي للجيش المصري في ثمانينيات القرن الماضي عقب توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل وما ترتب عليها من تقليص المهام القتالية وخفض الميزانية .
مر النشاط الاقتصادي للجيش المصري بعدة مراحل: مرحلة التأسيس في الثمانينيات، مرحلة التوسع مع سياسات الخصخصة في التسعينيات، مرحلة التنافس مع رجال الأعمال في الألفية الجديدة، ثم مرحلة الهيمنة الكاملة بعد 2013 حيث أصبح الجيش أهم لاعب اقتصادي في البلاد .
تتنوع استثمارات الجيش المصري لتشمل التشييد والبناء، والصناعات الغذائية، والزراعة، والخدمات البترولية، وصناعة الأسمنت، والسلع الاستهلاكية، والسياحة، وغيرها. وتتمتع هذه الاستثمارات بمزايا تنافسية كبيرة تشمل الإعفاءات الضريبية والجمركية والوصول التفضيلي للأراضي والتمويل .
نماذج مقارنة:
أمريكا اللاتينية: في البرازيل وتشيلي، تطور نموذج مختلف حيث ظهر قطاع خاص قوي استطاع التفاوض مع الجيش على الانتقال الديمقراطي. في السبعينيات والثمانينيات، جرى التفاوض على الانتقال الديمقراطي بين المؤسسة العسكرية وقطاع الأعمال بمجرد أن شعر الأخير بأن استمرار الحكم العسكري سيحد من مصالحه .
تركيا: تدخل الجيش التركي عام 1980 لوضع حد للحراك العمالي والعنف السياسي، ثم سلم الحكم للمدنيين عام 1983 الذين اتبعوا برنامجاً نيوليبرالياً. ظل الجيش قوة سياسية مؤثرة لكنه لم يتحول إلى إمبراطورية اقتصادية بنفس الدرجة كما في مصر .
باكستان وإندونيسيا: تقعان في موقع متوسط، حيث توجد قطاعات خاصة متطورة نسبياً وأوليغارشيون نافذون في قطاع الأعمال، لكن الجيوش فيها معروفة تاريخياً بنزعتها التدخلية في الميدانين السياسي والاقتصادي .
الجزائر: شهدت نموذجاً خاصاً حيث شن الجيش حملة لمكافحة الفساد بهدف احتواء الحراك الشعبي (2019)، واستعاد موقعه كحارس للثروة والسلطة. كما أن النظام الجزائري نظر في فكرة ترقية مصرفي من المحسوبين ثم أسقطه عندما اتخذ مواقف سياسية مستقلة .
استنتاجات وتوصيات
خلاصة تحليلية
تمثل سيطرة المؤسسة العسكرية على النشاط الاقتصادي في دول العالم الثالث ظاهرة معقدة تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية والمؤسسية. ورغم أن هذه الظاهرة قد تبدو حلاً عملياً لمشكلات اقتصادية آنية (كتوفير موارد إضافية، أو تنفيذ مشروعات كبرى)، إلا أن تكاليفها التنموية طويلة الأجل باهظة.
فالسيطرة العسكرية على الاقتصاد تؤدي إلى:
1. تشوه هيكل السوق وإضعاف القطاع الخاص
2. إعاقة التحول الديمقراطي وتعزيز أنظمة الوصول المحدود
3. تخصيص غير كفء للموارد وإضعاف الحوافز للإنتاجية
4. تفاقم الفقر وعدم المساواة
5. عرقلة بناء مؤسسات دولة مدنية قوية
توصيات سياساتية
على المستوى الوطني:
· العمل على فصل واضح بين مهام المؤسسة العسكرية الأمنية ونشاطها الاقتصادي
· إخضاع الشركات العسكرية للرقابة المالية والمحاسبية كباقي شركات الدولة
· وضع استراتيجية واضحة لانتقال المشروعات العسكرية إلى القطاع الخاص أو العام المدني خلال فترة زمنية محددة
· تعزيز استقلالية المؤسسات المدنية وقدرتها على تنفيذ المشروعات التنموية
على المستوى الدولي:
· تضمين برامج المساعدات والإقراض شروطاً تتعلق بحوكمة النشاط الاقتصادي العسكري
· دعم منظمات المجتمع المدني المحلية التي تراقب وتوثق النشاط الاقتصادي العسكري
· تبادل الخبرات بين دول الجنوب العالمي حول آليات الانتقال من الاقتصاد العسكري إلى الاقتصاد المدني التنافسي
آفاق مستقبلية
يتوقف مستقبل الظاهرة على عدة عوامل: مدى نجاح الدول في بناء مؤسسات مدنية قوية، وقوة الضغوط الداخلية والدولية للإصلاح، وتوافر إرادة سياسية حقيقية للانتقال إلى نماذج تنموية أكثر شمولاً وشفافية. كما أن صعود التيارات الشعبوية والقومية في العديد من دول العالم قد يعزز من دور الجيش الاقتصادي تحت شعارات السيادة الوطنية ومكافحة الفساد .
يبقى السؤال المطروح: هل يمكن تحويل المؤسسة العسكرية من عائق للتنمية إلى داعم لها؟ الإجابة تكمن في إمكانية إعادة تعريف دور الجيش ليكون حارساً للدستور والنظام الديمقراطي، بدلاً من أن يكون فاعلاً اقتصادياً وسياسياً منحازاً. وهذا يتطلب إرادة سياسية وإصلاحات مؤسسية عميقة تتجاوز الحلول الترقيعية إلى إعادة هيكلة علاقة الدولة بالمجتمع والاقتصاد.
—
المراجع
· Carnegie Endowment for International Peace. (2024). المؤسسة العسكرية وقطاع الأعمال الخاص في بلدان الجنوب العالمي: دور العلاقة السياسية في الوصول إلى الأسواق.
· مركز تريندز للبحوث والاستشارات. (2024). الأسباب والدلالات: تزايد الإنفاق الدفاعي للجيوش في ظل بيئة استراتيجية مضطربة.
· مجلة معهد العلوم الاقتصادية. (2022). أثر الإنفاق العسكري على النمو الاقتصادي في دول البريكس: دراسة قياسية.
· مجلة العربي. (2010). الإنفاق العسكري.. يجر الاقتصاد العالمي إلى أزمة كبرى.
· الجزيرة للدراسات. (2016). الدور الاقتصادي للجيش في مصر: الحسابات والتداعيات.
· نون بوست. (2017). الجيش وعلاقته بالسلطة في الدول النامية.
· ز وشمال أفريقيا.



