مقالات

معرض الوثائق السوداني السنوي.. نيروبي.. المحطة رقم سبعة في رحلة إنقاذ السودان من الفنادق!..

وائل عبدالخالق مالك: 

هناك تقاليد سياسية سودانية راسخة لا مجال لانكارها وهي انه كلما اشتعلت الأرض حرباً او تم التضييق على اشباه الاحزاب السياسية السودانية في العمل سارع أشباه الساسة ولا ساسة السودانيون إلى عاصمة خارجية ذات فنادق وأنتجوا وثيقة وإعلاناً وميثاقاً وخارطة طريق وبياناً ختامياً ثم عادوا.

هذه المرة في نيروبي اجتمعت ما يسمى بقوى إعلان المبادئ السوداني يومي 22 و23 من مايو 2026 وأجازت وثائق وصفتها بالاستراتيجية المتكاملة. وخرجت ببيان ختامي ملئ بالوعود والمشاعر والمصطلحات المدوية مثل الكتلة الثالثة والجبهة المدنية الواسعة والطريق الجديد الذي يستديم الحلول. ثلاث سنوات من الحرب وعشرات الآلاف من الضحايا على أقل تقدير وملايين النازحين فكانت الإجابة لديهم وثيقتان جديدتان.

لن أشكك في نوايا المجتمعين “ليس الجميع على أي حال” وسأحفظ لبعضهم ما يحمل من تاريخ نضالي نزيه وليس تاريخ سياسي، ومؤكد بعضهم يعاني فعلاً مما يعانيه الشعب. لكن النوايا الحسنة لا تحافظ على الوطن ضد تمرد مسلح مدعوم وممول من الخارج، وأيضاً النوايا الحسنة لا توقف حرباً ولا تطعم جائعاً ولا تعيد نازحاً إلى بيته. وتاريخ الأزمات الوطنية يثبت أن السودانيين لم يفتقروا يوماً إلى حسن النية بل افتقروا دوماً إلى الفعل الذي يتجاوز الكلام.

فلنحاول ان نتذكر سوياً فقط التاريخ القريب في أغسطس 2019 وقع نفس هؤلاء مع اختلافات بسيطة جدا في القوى ما يعرف بالوثيقة الدستورية في الخرطوم. تم تصوير اللحظة على انها تاريخية بكل المقاييس واحتوت على نفس خطابات الأمل ووعود بالتحول المدني الديمقراطي. بعد سبعة وعشرون انقلب البرهان وحميدتي انقلابهم الأبيض واستبدلوا شريكهم القديم قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي بشريك جديد هو قوى الحرية والتغيير التوافق الوطني وانتهى الأمر بحرب أبريل 2023. هل الوثيقة الدستورية لم تكن خرطة طريق؟ أم كانت مجرد ورقة في أرشيف.

في يناير 2023 تم توقيع الاتفاق الإطاري في الخرطوم وسط احتفاء واسع وتبجح بالغ من بعض القوى المشاركة في نفس إعلان المبادئ هذا. الانفاق الاطاري تحدث عن الانتقال المدني وإصلاح المنظومة الأمنية وضمانات الثورة. بعد ثلاثة أشهر فقط اشتعلت حرب أبريل.

جاء إعلان مبادئ نيروبي الأول في ديسمبر 2025 والآن جاء الثاني في مايو 2026. والحرب مستمرة والمجاعة تتمدد ودارفور تحترق. هذا الحديث ليس تشاؤم بل سجل موثق.

البيان الختامي لهم يصف نفسه بالبيت المفتوح الذي يرحب بكل القوى المدنية. لكن بيت مفتوح يعقد في نيروبي ليس في بورتسودان ولا في أم درمان ولا في الفاشر المنكوبة هو بيت مفتوح لمن يملك تذكرة طيران فقط. لجان المقاومة الحقيقية ليست المصنوعة ومبادرات الشباب التي تنظم التكايا بالاحياء والمبادرات النسوية للناجيات والمجتمع المدني جميعهم غائبون عن هذا البيت المفتوح لأنهم مشغولون بالحياة والموت لا بالتوقيع على ميثاق.

البيان يتحدث بلسان الشعب السوداني لكن من فوض هؤلاء؟ سؤال لا يطرح في هذه الملمات لأن طرحه مزعج. والأشد إزعاجاً أن البيان الختامي ذاته يعترف ضمنياً بهشاشة هذه القوى حين يقر بأن تعزيز التنسيق بين قواها قد غدا فرض عين. بمعنى أن التنسيق الداخلي بينها لم يكتمل بعد وهي تعقد اجتماعها الثاني وتصدر خارطة طريق لإنهاء حرب تشمل أطرافاً عديدة وأكثر تعقيداً منها بكثير.

وقف إطلاق النار المقترح — ثلاثة أشهر قابلة للتجديد — يشمل بحسب الورقة المقدمة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور. هناك مشكلة واحدة هي أن الجيش والدعم السريع لم يكونا في نيروبي ولم يوقعا ولم يفاوضا ولم يعلقا حتى. فكيف تدرجهما في وقف نار لا يعلمان عنه شيئاً؟ وهذا ليس تفصيلاً إجرائياً. هذا هو جوهر الفشل المتوقع لكل ما أنتج في نيروبي. وقف النار لا يصنع في ورقة عمل يقدمها أشباح أمام جمهور يوافق عليها بالتصفيق بل يصنع على طاولة يجلس فيها من يطلق النار.

المقاربة المماثلة موثقة في مكان آخر وقتها اجتمع المجتمع الدولي في فيينا عام 2021 لإنهاء الصراع في إثيوبيا واضطر في نهاية المطاف إلى التفاوض المباشر مع الأطراف المتحاربة وهي جبهة تيغراي والحكومة الفيدرالية لا مع القوى الاثيوبية الداعمة للسلام مهما كانت نواياها طيبة. اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022 توصل إليه الطرفان المسلحان مباشرة بعد أن استنفدت كل البيانات المدنية. السودان ليس إثيوبيا لكن الدرس واحد وهو من لا يملك السلاح لا يوقع وقف النار.

البيان الختامي يستدعي ثورة ديسمبر في كل صفحة تقريباً وكأن استحضار روحها كاف لإنقاذ السودان. لكن ثورة ديسمبر ذاتها انتهت كما انتهت لأن قواها السياسية وبالتحديد من هو موجود في نيروبي منها لم تحول الزخم الشعبي إلى مؤسسات. تشاجرت على الحصص وتفاوضت مع العسكر وقبلت بصيغ هشة ثم وجدت نفسها أمام انقلاب أكتوبر 2021 الأبيض فأدانته ببيانات ثم أمام حرب أبريل 2023 فأدانتها بيانات ثم في نيروبي مايو 2026 تصدر بيانات.

استحضار الثورة دون نقد ذاتي صريح لأسباب فشل مرحلة 2019-2021 ليس وفاءً للثورة بل هو هروب من المحاسبة. وأقسى ما في الأمر أن البيان يطالب بمحاسبة من يسميهم بأطراف الحرب لكنه صامت تماماً عن محاسبة قوى الفترة الانتقالية على الأخطاء التي أوصلتنا إلى هذه الهاوية وكأنما الفشل ورداءة الاداء السياسي ليس من مسببات هذه الحرب أيضاً.

المثال الليبي خير نموذج للاستدلال حين تتكاثر الأطراف وتتوزع المنابر. فمنذ عام 2014 تعيش ليبيا على وتيرة مؤتمرات متواصلة مثل الصخيرات وباليرمو وبرلين الأول وبرلين الثاني وجنيف والقاهرة. كل مؤتمر أنتج وثيقة وكل وثيقة رفعت بوصفها خارطة الطريق النهائية. النتيجة هي أن ليبيا لا تزال مقسمة بين حكومتين وميليشيات لا تعد. ما غاب ليس حسن النية في هذه المؤتمرات بل غابت آليات الإلزام والمصداقية الميدانية.

البيان الختامي لما يسمى بقوى إعلان المبادئ يطالب بتوحيد المنابر الدولية في منبر واحد وهو طلب وجيه تماماً. لكنه يتجاهل أن قوى إعلان المبادئ ذاتها هي منبر جديد أُضيف إلى منابر أخرى قائمة. كيف تطلب توحيد المنابر الدولية وأنت تكثر المنابر الوطنية؟

الخلاصة التي لا يريدون سماعها هي أن السودان لا يحتاج وثيقة ثانية ولا ثالثة. يحتاج إجابات لثلاثة أسئلة لم تجب عنها اجتماعاتهم ووثائقهم وهي من سيجبر الجيش السوداني والمليشيا المتمردة على الجلوس؟ ومن سيلزمهم بما يتوصلون إليه؟ وما الثمن الحقيقي الذي ستدفعه هذه القوى لا من أموال المانحين ولا من وقت الفنادق لتحويل الكلام إلى فعل؟ حتى تأتي الإجابات يبقى بيان نيروبي إضافة إنشائية إلى أرشيف سوداني ضخم لا يعدم المواقف ولا يفتقر إلى الصياغات الجيدة لكنه يتضخم باستمرار دون أن ينقذ روحاً واحدة أو يعيد نازحاً واحداً إلى بيته. وفي رأيي الشعب السوداني لا يحتاج الي من يصدر البيانات باسمه بل يحتاج الي إيقاف الحرب بما يحافظ على سيادة الدولة وتماسك مؤسساتها وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية، ويحتاج الي من لديه الرؤى والقدرات على حل أزماته واشكالياته سواء على المستوي المعيشي والخدمي أو على صعيد إعادة بناء وتأسيس دولة القانون والمؤسسات وهو بالتأكيد ما تفتقده ما تسمى بقوى إعلان المبادئ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى