رياضة

المريخ من التاريخ إلى المؤسسة 5-8

رسائل في بريد مجلس التسيير

ليستر سيتي وسؤال واحد فقط — ماذا تريد أن تكون؟

وائل عبدالخالق مالك

في الحلقات السابقة كان البناء يسير من الأساس إلى السقف. بدأ الحديث عن ضرورة التحول من نادي يعيش على العاطفة إلى مؤسسة تدار بالحوكمة ثم انتقل إلى العضوية باعتبارها قاعدة الاستقرار الجماهيري والمالي وبعدها إلى الاقتصاد الرياضي وتنويع مصادر الدخل حتى لا يبقى النادي رهينة التبرعات والأزمات الموسمية. لكن كل هذه الملفات تظل في النهاية وسائل وليست غاية. الغاية الحقيقية هي ما يحدث داخل الملعب. لأن السؤال الذي سيطرحه أي مشجع بسيط في النهاية هو كيف سينعكس كل هذا على الفريق والبطولات والنتائج؟ الإجابة المهمة هنا أن الإدارة ليست شيئاً منفصلاً عن كرة القدم بل هي ما يصنع بيئتها. الفريق الناجح ليس مجموعة لاعبين جيدين فقط بل نتيجة مباشرة لمؤسسة مستقرة تعرف ماذا تريد أن تكون.

موسم نادي ليستر سيتي الانجليزي عام 2015-2016 سيبقى واحداً من أكثر القصص إدهاشاً في تاريخ كرة القدم. نادي ليستر سيتي الذي كانت احتمالات تتويجه بالدوري الإنجليزي تقدَر بـ5000 إلى 1 حسب الاحصائيات الرسمية بانجلترا أصبح بطلاً للدوري الممتاز أمام أندية تملك ميزانيات تفوقه بعشرات المرات. كثيرون اختصروا القصة في الحظ أو الروح القتالية لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك بكثير. كان هناك مدير تنفيذي يدير الموارد بعقلانية وجهاز فني بقيادة كلاوديو رانيري يعمل دون فوضى إدارية وغرفة ملابس مستقرة نفسياً وميزانية محدودة لكنها موزعة على احتياجات حقيقية لا على أسماء جماهيرية. الإنجاز الرياضي لم يكن معجزة منفصلة عن الإدارة بل كان النتيجة الطبيعية لنظام يعرف حدوده وإمكاناته ويستخدمها بذكاء.

هذه النقطة تحديداً تشرح جانباً مهماً من أزمة المريخ. النادي الذي يملك ميزانية تشغيلية مستقرة يبدأ التخطيط للموسم القادم قبل نهايته بأشهر. يحدد احتياجاته الفنية مبكراً ويتفاوض بهدوء ويغلق ملفاته قبل ارتفاع الأسعار ودخول المنافسين. أما النادي الذي يعتمد على التدفقات الطارئة والتبرعات الموسمية فإنه يدخل السوق متأخراًوومرتبكاً وتحت ضغط الجماهير والوقت. هذا الفارق الإداري الصغير ظاهرياً ينعكس مباشرة على جودة الفريق داخل الملعب.

المريخ خسر في السنوات الأخيرة لاعبين محوريين لأسباب مالية وإدارية أكثر مما خسرهم لأسباب فنية. بعض الملفات كانت تتعلق بتأخر مستحقات وبعضها بعدم وضوح الرؤية وبعضها بغياب الاستقرار الإداري. هذه الخسائر لا تظهر فقط في بند العقود بل تدفع ثمنها نقاطاً ضائعة وفرصاً مهدرة في البطولات القارية. والأمر نفسه ينطبق على الأجهزة الفنية. المدرب الذي يعمل وسط بيئة مضطربة لا يعرف إن كانت الإدارة ستفي بالتزاماتها ويتلقى توجيهات من عدة أطراف داخل المجلس لا يستطيع بناء مشروع طويل الأمد مهما كانت كفاءته. الحوكمة هنا ليست ترفاً إدارياً بل حماية مباشرة للعمل الفني. حين تكون الصلاحيات واضحة ويمنح الجهاز الفني استقلاله الكامل ثم يحاسب وفق مؤشرات أداء متفق عليها فإن فرص النجاح ترتفع تلقائياً.

حتى الجمهور الذي ينظر إليه عادة كعنصر عاطفي فقط يتحول في الأندية الحديثة إلى جزء من منظومة الأداء. الدراسات في علم النفس الرياضي تؤكد أن الجمهور المنظم والمتفاعل يرفع مستويات التركيز والحافز لدى اللاعبين بصورة قابلة للقياس. لكن هذا الجمهور لا يتكون بالصدفة بل عبر علاقة مؤسسية تجعل المشجع يشعر أنه جزء من المشروع لا مجرد متلقٍ للنتائج.

وهنا يعود السؤال الجوهري الذي يجب أن يجيب عليه المريخ بوضوح.. ماذا يريد النادي أن يكون؟ هل يريد أن يبقى نادياً يعيش من موسم إلى آخر وينتظر مبادرة فرد أو تبرع قطب أو نشوة انتصار عابر؟ أم يريد أن يتحول إلى مؤسسة رياضية مستقرة تستطيع أن تبني فريقاً ينافس قارياً بشكل مستمر لا موسمي؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست شعاراً إعلامياً. إنها القرار الذي ستبنى عليه كل التفاصيل القادمة.

نواصل.

 

المريخ من التاريخ إلى المؤسسة 5-8.. رسائل في بريد مجلس التسيير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى