بين إحاطة نيويورك وشوارع الأبيض

رانيا عمر:
ليست المشكلة في ما قاله مجلس الأمن عن الأبيض، بل في ما لم يقله. في السادس والعشرين من يونيو 2026 ناقش مجلس الأمن في نيويورك إحاطة أممية حذّرت من تصعيد محتمل في مدينة الأبيض، ومن مخاطر قد تهدد مئات الآلاف من المدنيين. غير أن الإحاطة، رغم أهمية التحذير، تركت انطباعاً بأن الصورة لم تكتمل، لأن ما يراه السودانيون على الأرض لا يتطابق بالضرورة مع ما عُرض داخل قاعة المجلس.
في الأبيض، تشير شهادات سكان المدينة ومقاطع فيديو متداولة إلى أن الحياة ما زالت مستمرة رغم القلق. الأسواق تعمل، وحركة المواطنين لم تتوقف، والشوارع لم تتحول إلى مدينة أشباح كما قد توحي بعض التقارير. ولا ينفي ذلك وجود خطر حقيقي، إذ يتحدث السكان بوضوح عن استهداف المدينة بطائرات مسيّرة ينسبونها إلى مليشيا الدعم السريع، لكنهم يؤكدون في الوقت نفسه تمسكهم بالبقاء ومواصلة حياتهم اليومية.
ولا أحد يجادل في أهمية التحذير من المخاطر قبل وقوعها، لكن التحذير يفقد جزءاً من قيمته عندما يكتفي بوصف النتائج ويتجنب الاقتراب من أسبابها.
فالإحاطة الأممية نفسها أشارت إلى أن استمرار القتال بهذا المستوى لم يكن ممكناً دون تدفق السلاح والدعم الخارجي، لكنها توقفت عند حدود الإشارة دون تسمية الجهات التي يُنسب إليها هذا الدعم، رغم أن القضية أصبحت محل نقاش سياسي خارج السودان.
وقبل جلسة مجلس الأمن بيومين، في 24 يونيو 2026، نشرت صحيفة التلغراف البريطانية تقريراً استند إلى شهادة ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، أمام لجنة التنمية الدولية بمجلس العموم البريطاني. وقال ريموند إن الحكومات البريطانية تلقت، على مدى أكثر من عامين، تحذيرات ومعلومات استخباراتية بشأن الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع، واتهم لندن بأنها أحجمت عن اتخاذ موقف أكثر حزماً لأن الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الإمارات حظي بالأولوية. ورغم رفض الحكومة البريطانية هذه الاتهامات، فإن وصولها إلى البرلمان البريطاني يعكس أن قضية الدعم الخارجي لم تعد مجرد نقاش إعلامي، بل أصبحت محل مساءلة سياسية داخل إحدى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. ولا يعني ذلك حسم صحة هذه الاتهامات أو نفيها، لكنه يؤكد أن الملف تجاوز حدود التكهنات الإعلامية، وأصبح موضوعاً للنقاش والمساءلة داخل مؤسسة تشريعية في دولة عضو دائم بمجلس الأمن.
وإذا كانت مثل هذه الاتهامات تُناقش علناً داخل البرلمان البريطاني، فمن الطبيعي أن يتساءل السودانيون عن أسباب استمرار التحفظ في تسمية الجهات التي يُنسب إليها هذا الدعم داخل المنابر الدولية. فالحديث عن السلام لا يكتمل مع الصمت عن مصادر التسليح، كما أن بناء الثقة في أي مسار سياسي يظل أكثر صعوبة عندما تبقى مصادر استمرار الحرب خارج دائرة النقاش العلني.
ولم تقتصر الإحاطة على التحذير من التصعيد، بل شددت أيضاً على ضرورة حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإتاحة ممرات آمنة لمن يرغب في مغادرة المدينة. وهي دعوة إنسانية في جوهرها، لكنها تترك جانباً عملياً يحتاج إلى مزيد من الوضوح. فإذا كانت الأولوية هي تمكين المدنيين من مغادرة الأبيض، فما هو التصور الذي تستند إليه الأمم المتحدة في استمرار المطالبة بفتح ممرات إنسانية غير مشروطة إلى داخل المدينة؟ وهل تفترض بقاء أعداد كبيرة من السكان، أم أن خطتها تقوم على احتمال نزوح واسع النطاق؟ وإذا كان الخياران مطروحين في الوقت نفسه، فما هي الآلية التي بُني عليها هذا التصور؟ فالإحاطة لم تقدم إجابة واضحة عن هذه الأسئلة، رغم أنها تمثل جزءاً أساسياً من أي خطة لحماية المدنيين وإدارة الاستجابة الإنسانية.
ولا تتوقف هذه التحديات عند الجوانب اللوجستية وحدها، بل تمتد أيضاً إلى مستوى الثقة في الجهات التي تتولى تنفيذ الاستجابة الإنسانية. ففي يونيو 2026 أعلنت منظمة أطباء بلا حدود فصل 18 موظفاً على خلفية مخالفات تتعلق بالاستغلال والانتهاكات الجنسية بحق لاجئات سودانيات في تشاد. ولا تنتقص هذه الحادثة من أهمية العمل الإنساني، لكنها تؤكد أن نجاح أي استجابة إنسانية يتطلب قدراً عالياً من الرقابة والمساءلة، بما يعزز ثقة المتضررين في المؤسسات التي يفترض أن توفر لهم الحماية.
السودانيون لا يرفضون دور الأمم المتحدة، ولا يعارضون وصول المساعدات الإنسانية، لكنهم ينتظرون قدراً أكبر من الوضوح في تشخيص أسباب الأزمة، بالقدر نفسه الذي يُبذل في وصف آثارها. فكلما ازدادت الشفافية بشأن مصادر السلاح ومسؤوليات الأطراف المختلفة، ازدادت فرص الوصول إلى سلام يقوم على المساءلة لا على إدارة الأزمة.
بين نيويورك والأبيض، لا يبدو الخلاف دائراً حول وجود الخطر، بقدر ما يدور حول مدى اكتمال الصورة التي تُبنى عليها القرارات الدولية. والأبيض اليوم ليست مجرد مدينة تواجه احتمال التصعيد، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على الجمع بين التحذير والوضوح، وبين الاستجابة الإنسانية ومعالجة جذور الأزمة. فحماية المدنيين لا تقتصر على إدارة آثار الحرب، بل تبدأ أيضاً بالوضوح في تحديد العوامل التي تسهم في استمرارها.


