خارطة طريق نحو تحول مؤسسي ورقمي حقيقي

سلسلة مقالات.. خارطة طريق نحو تحول مؤسسي ورقمي حقيقي
دروس يمكن للسودان أن يستفيد منها في مرحلة إعادة الإعمار
بقلم: الطيب الجعلي الطيب – مستشار الحوكمة والتحول الرقمي
مقدمة السلسلة:
يشهد العالم اليوم سباقاً متسارعاً نحو التحول الرقمي، وتسعى الحكومات والمؤسسات إلى تبني التقنيات الناشئة أملاً في تحسين الأداء، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز قدرتها على مواكبة المستقبل. ومع ذلك ذلك تظل نتائج كثير من مشاريع التحول الرقمي دون مستوى التوقعات، رغم ضخامة الاستثمارات المخصصة لها.
ولعل أحد أهم الأسباب في تعثر كثير من مشاريع التحول الرقمي هو ترتيب الأولويات، إذ تبدأ رحلة التحول في كثير من الأحيان من المكان الخطأ. فالتقنية – مهما بلغت من التطور – تظل أداة تعزز المؤسسة، لكنها لا تستطيع أن تحل محلها أو تعوض غياب الحوكمة والإجراءات الفعالة.
أكتب سلسة المقالات هذه إنطلاقاً من قناعتي بأن التحول الحقيقي لا يبدأ بالأنظمة، ولا بالمنصات، ولا بالتقنيات الناشئة أوالذكاء الاصطناعي، ولكنه يبدأ بأيجاد مؤسسات قادرة (capable institutions)، تدار بحوكمة واضحة وتعمل وفق إجراءات فعالة وتنتج بيانات موثوقة، ليصبح تنبي التقنية بعد ذلك أداة لتعظيم القيمة وليس فقط محاولة لتعويض القصور المؤسسي.
كما أود أن انوه الى أن هذه السلسلة لا تهدف إلى استعراض التقنيات الحديثة أو مقارنة الأنظمة والمنصات، ولكنها تهدف إلى تقديم رؤية عملية متكاملة تربط بين بناء المؤسسات، والحوكمة، والتحول الرقمي، والتشغيل البيني (Interoperability)، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، في إطار واحد يساعد على فهم رحلة التحول كما أثبتتها التجارب الدولية الناجحة، مع التركيز على ما يمكن للسودان الاستفادة منه في مرحلة إعادة الإعمار وبناء الدولة الحديثة.
المقال الاول
لماذا لا تبدأ رحلة التحول الرقمي بالتقنية؟
مقدمة:
من السهل ان نفهم لماذا اصبحت التقنية محور الحديث في كل مشروع للتحول الرقمي. فهي مرئية، وملموسة، وسريعة، كما يسهل قياس نتائجها. فمركز البيانات الحديث، او النظام الجديد، او المنصة الرقمية، او التطبيق الحديث، او مشروع الذكاء الاصطناعي، كلها انجازات يمكن الاعلان عنها، وتدشينها، والاحتفاء بها.
ولكن عند النظر الى المشاريع التي احدثت تحولا حقيقيا، نجد انها تشترك في سمة واحدة؛ فهي لم تبدأ بالتقنية، بل بدأت بالمؤسسات.
فالتحول الرقمي لا يفشل عادة لان المؤسسات تفتقر الى الحلول التقنية، بل لان رحلة التحول تبدأ من المكان الخطأ، وذلك عندما ينظر الى التقنية على انها نقطة البداية، بينما هي في الحقيقة نتيجة لرحلة التحول الناجحة، وليست هي نقطة البداية.
ولا ينبغي ان يفهم من هذا المقال انه دعوة الى تأجيل التقنية، وانما هو دعوة الى وضعها في مكانها الصحيح ضمن رحلة التحول الرقمي. فقد تعمل المؤسسات على اكثر من مرحلة في الوقت نفسه، ولكن لا يمكن لاي مرحلة من مراحل التحول ان تنجح اذا كانت تعتمد على مرحلة لم تبنى بعد، تماما كما لا يمكن بناء الطابق الثاني قبل وضع الاساسات.
ولهذا فان تجاوز المراحل التأسيسية قد لا تظهر اثاره مباشرة من البداية، لكنه يترك وراءه تكاليف ومشكلات تتكشف تدريجيا مع تقدم رحلة التحول، وغالبا لا تصبح واضحة الا بعد ان تكون المؤسسة قد استثمرت وقتا وجهدا وموارد كبيرة.
المشكلة ليست في التقنية:
هناك نمط يتكرر في كثير من مشاريع التحول الرقمي. حيث تبدأ المؤسسة بالتخطيط لنظام جديد، او منصة رقمية، او مشروع للتحول الرقمي، او مبادرة للذكاء الاصطناعي. ثم تخصص الميزانيات، وتشكل فرق العمل، وتعلن الجداول الزمنية، ويبدأ التنفيذ. ولكن بعد اشهر، وربما سنوات، تكتشف المؤسسة ان النتائج جاءت اقل بكثير مما كانت تتوقع.
وعندها تبدأ رحلة البحث عن الاسباب. ففي بعض الاحيان يتهم النظام بانه لا يلبي الاحتياجات، او يلام المورد على سوء التنفيذ، او يقال ان المستخدمين لم يتقبلوا التغيير، واحيانا يلقى اللوم على التقنية نفسها.
ولكن نادرا ما يطرح السؤال الاهم: هل كانت المشكلة في التقنية اصلا؟
وفي كثير من الحالات تكون الإجابة الحقيقية هي: لا.
فالتقنية في الواقع ليست سوى اداة تعمل داخل المؤسسة القائمة، ولا تعمل بمعزل عنها. ولذلك فان نتائج اي مشروع رقمي تعكس في الغالب مستوى نضج المؤسسة التي يطبق فيها.
فاذا كانت المؤسسة تتمتع بحوكمة واضحة، واجراءات فعالة، وادوار ومسؤوليات محددة، جاءت التقنية لتعزز هذه المزايا وتزيد من كفاءتها.
اما اذا كانت المؤسسة تعاني من ضعف في هذه الجوانب، فلن تساعد التقنية على اخفاء هذا الضعف، بل ستكشفه بصورة اوضح.
أو بعبارة أخرى: التقنية لا تصنع مؤسسة قوية، لكنها تكشف مدى قوة المؤسسة التي تعمل داخلها.
اذن لماذا لا تبدأ رحلة التحول من المكان الصحيح؟
قد يبدو ما سبق بديهيا ومنطقيا، ولذلك يبرز سؤال مهم: لماذا تتكرر هذه البداية في كثير من المؤسسات؟
الاجابة لا تكمن في نقص الوعي، بقدر ما ترتبط بطبيعة العمل المؤسسي نفسه.
فالاصلاح المؤسسي لا يعني مجرد تحسين الاجراءات، بل يتطلب في كثير من الاحيان اعادة النظر في طريقة عمل المؤسسة، وإعادة هيكلتها، وتوضيح الادوار والمسؤوليات، ومراجعة الصلاحيات، وتحسين اليات اتخاذ القرار. وهي اعمال تحتاج الى وقت، وتتطلب توافقا بين اطراف متعددة، ولا تظهر نتائجها بالسرعة نفسها التي تظهر بها نتائج المشاريع التقنية.
ويضاف الى ذلك ان الاصلاح المؤسسي الحقيقي قد يمس توزيع الادوار والصلاحيات، وهو ما قد يواجه قدرا من التردد او المقاومة داخل اي مؤسسة.
ولذلك يصبح البدء بالتقنية في كثير من الاحيان هو الخيار الاسهل، ليس لانه الافضل، ولكن لانه لا يتطلب معالجة القضايا المؤسسية الاكثر تعقيدا.
ولهذا فان الدعوة الى البدء بالاصلاح المؤسسي لا تعني اختيار الطريق الاسهل، بل اختيار الطريق الذي يمنح التحول فرصة حقيقية للنجاح والاستدامة.
لا يمكن رقمنة الفوضى… بل يجب إصلاحها أولا:
في الواقع، لا يجب أن يبدأ التحول الرقمي بالانظمة الالكترونية، ولكن بالمؤسسة نفسها. فقبل ان يكون هناك نظام الكتروني، يجب ان تكون هناك مؤسسة تعمل وفق حوكمة واضحة، واجراءات عمل معروفة، وآلية لاتخاذ القرار، وادوار ومسؤوليات محددة، وخدمات مصممة بصورة سليمة.
وهذه هي البيئة التي تعمل داخلها التقنية، وهي ليست شيئا تستطيع التقنية ان تنشئه او تعوض غيابه. فالمؤسسة التي لا تعرّف بوضوح من يملك القرار، ومن يتحمل المسؤولية، أوكيف تقدم خدماتها، فإنهت لن تصبح اكثر كفاءة بمجرد تطبيق نظام جديد، بل ستنتقل فقط من ادارة الفوضى على الورق الى ادارتها بصورة رقمية.
ومن هنا يمكن فهم سبب محاولة بعض المؤسسات تكييف الانظمة لتتوافق مع واقعها الاداري، بدلا من الاستفادة من افضل الممارسات التي صممت تلك الانظمة لدعمها. ويظهر ذلك بوضوح في كثير من مشاريع تطبيق انظمة تخطيط موارد المؤسسات (ERP)، حيث تؤدي كثرة التعديلات المطلوبة الى زيادة التعقيد، وارتفاع التكلفة، وتأخير التنفيذ. وعندما لا تتحقق النتائج المتوقعة، ينتهي الامر بالقول ان المشكلة في النظام أو في المورد الذي ينفذه أو في الاستشاري الخاص بالمشروع، بينما يكون تنفيذ النظام في الواقع قد كشف مشكلات كانت موجودة في المؤسسة لم يتم التطرق لها منذ البداية.
ولهذا ليس غريبا ان يفشل عدد كبير من مشاريع التحول الرقمي، رغم استخدام انظمة عالية الجودة. فالانظمة نادرا ما تكون هي المشكلة، لكنها كثيرا ما تكشف مشكلات مؤسسية لم تعالج قبل بدء رحلة التحول.
وتشير التجارب الى ان المؤسسات التي تحقق افضل نتائج في التحول الرقمي ليست بالضرورة تلك التي تمتلك افضل الانظمة، بل تلك التي تبدأ ببناء مؤسسة اكثر نضجاً، واعادة تصميم اجراءاتها، ثم تستخدم التقنية لتعزيز هذا النضج وتحويله الى قيمة حقيقية.
يجب أن تكون المؤسسة هي التي تحدد التقنية، وليس العكس:
من اكثر الاخطاء شيوعا في مشاريع التحول الرقمي الاعتقاد بان التقنية قادرة على اعادة تشكيل المؤسسة. لكن الواقع يشير الى ان العكس هو الاقرب الى الحقيقة؛ فالمؤسسة هي التي تحدد كيف ينبغي ان تعمل التقنية، وليس العكس.
فالتقنية لا تعيد تصميم الاجراءات، ولا توزع المسؤوليات، ولا تحدد آليات اتخاذ القرار، بل تعمل ضمن الاطار الذي تبنيه المؤسسة. فاذا كانت الاجراءات معقدة، انعكس هذا التعقيد في النظام. واذا كانت الادوار والمسؤوليات غير واضحة، انتقلت كما هي الى البيئة الرقمية. واذا كانت القرارات بطيئة، فلن يفعل النظام اكثر من تسريع انتقال المعاملات بين الشاشات، بينما يظل اتخاذ القرار بطيئا كما كان.
ولهذا ينبغي ان يكون السؤال الاول في اي مشروع تحول رقمي هو: كيف ينبغي ان تعمل المؤسسة؟ عوضاً عن: ماهو النظام الذي نحتاج اليه؟
فالسؤال عن التقنية يجب ان يسبقه عدد من الاسئلة الاكثر اهمية:
· كيف تعمل المؤسسة اليوم؟
· هل نحتاج الى جميع الاجراءات الحالية؟ وهل هي تضيف قيمة حقيقية للمستفيد؟
· هل صممت الخدمات بما يلبي احتياجات المستفيدين، ام بما يتوافق مع الهيكل التنظيمي للمؤسسة؟
· هل الادوار والمسؤوليات واضحة؟
· من يملك كل خدمة من بدايتها الى نهايتها؟
· وما الذي يجب اعادة تصميمه قبل التفكير في رقمنته؟
قد تبدو هذه الاسئلة ادارية اكثر منها تقنية، لكنها في الحقيقة هي التي تحدد لاحقا نجاح المشروع الرقمي او فشله.
وعندما تجيب المؤسسة عن هذه الاسئلة، يصبح اختيار التقنية اكثر وضوحا ويسر. فهي لا تبحث عن نظام يحاول اصلاح مشكلاتها، بل عن نظام يدعم نموذج العمل الذي اختارت بناءه، ويعزز كفاءته، ويمكنها من تحقيق اهدافها.
ولهذا فان المؤسسات التي تحقق افضل نتائج في التحول الرقمي لا تبدأ باختيار التقنية، بل تبدأ بتحديد الطريقة التي ينبغي ان تعمل بها. وعندها تصبح التقنية نتيجة طبيعية لهذا التفكير، وليست نقطة البداية.
التشغيل البيني… عندما تعمل المؤسسات معا:
قد تنجح كل مؤسسة على حده في أداء دورها بكفاءة، ومع ذلك تظل الخدمة بطيئة أو معقدة إذا كانت تعتمد على أكثر من جهة. فكثير من الخدمات الحكومية لا تقدم داخل مؤسسة واحدة، بل تمتد عبر عدة مؤسسات، لكل منها مسؤولياتها وإجراءاتها وأنظمتها. وعندما تعمل هذه المؤسسات بصورة مستقلة، يتحمل المستفيد عبء الانتقال بينها، وإعادة تقديم المعلومات نفسها، ومتابعة معاملته من جهة إلى أخرى.
ولهذا، لا يكفي أن تطور كل مؤسسة أنظمتها بصورة منفصلة، بل يجب أن تكون قادرة على العمل مع غيرها ضمن منظومة واحدة.
ومن هنا يبرز مفهوم بالغ الأهمية، الا وهو التشغيل البيني (interoperability).
فالتشغيل البيني لا يعني مجرد تبادل البيانات بين الأنظمة، بل يعني أن تتكامل المؤسسات نفسها في تقديم الخدمة، بحيث تنتقل الإجراءات والمعلومات والمسؤوليات بينها بسلاسة، بينما تظل الخدمة بالنسبة للمستفيد تجربة واحدة، وليست سلسلة من الإجراءات المنفصلة.
وهذا هو الفارق بين رقمنة المؤسسات وبناء دولة رقمية. فقد تمتلك كل جهة أفضل الأنظمة، ومع ذلك تظل تجربة المستفيد مجزأة إذا بقيت المؤسسات تعمل بصورة مستقلة.
أما الدولة الرقمية الحقيقية، فهي التي تجعل المؤسسات تعمل معاً وكأنها مؤسسة واحدة، حتى وإن ظلت مستقلة من الناحية التنظيمية.
ولأن التشغيل البيني يقوم على وضوح المسؤوليات، وتكامل الإجراءات والأدوار، واتفاق المؤسسات على طريقة العمل، فإنه يبدأ بالمؤسسات والحوكمة، ثم تأتي التقنية لتمكين هذا التكامل وتسريعه.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للسودان؟
يمتلك السودان اليوم فرصة تاريخية لا تقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل تمتد إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر كفاءة وفاعلية.
وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن مراحل إعادة البناء يمكن أن تكون نقطة انطلاق لإصلاحات مؤسسية عميقة. فرواندا، على سبيل المثال، لم تقتصر جهودها بعد الإبادة الجماعية عام 1994 على إعادة بناء البنية التحتية، بل ركزت أيضاً على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الحوكمة، وإعادة تصميم الخدمات العامة، قبل التوسع في التحول الرقمي. ولهذا أصبحت التجربة الرواندية اليوم من أبرز التجارب الإفريقية في بناء الحكومة الرقمية.
وبالنسبة للسودان، فإن إعادة الإعمار تمثل فرصة مماثلة لإعادة التفكير في طريقة عمل مؤسسات الدولة، وتوضيح مسؤولياتها، وتعزيز قدرتها على العمل معاً، قبل الاستثمار في الحلول التقنية واسعة النطاق.
فإذا أحسنا استثمار هذه المرحلة، فلن يكون التحول الرقمي مشروعاً مستقلاً، بل سيكون نتيجة طبيعية لإعادة بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وخدمات أكثر تكاملاً، ودولة أكثر قدرة على خدمة مواطنيها.
وختاما، إذا اتفقنا أن التقنية ليست هي نقطة البداية، فيبقى أمامنا السؤال الأهم: كيف نستطيع نبني مؤسسات فاعلة وقادرة على التحول؟
هذا هو السؤال الذي سأحاول الإجابة عنه في المقال القادم.




