حين عجزت البنادق عن إسقاط الدولة.. أسقطت الدولة أوهام البنادق

بقلم ـ رانيا عمر:
في 13 أغسطس، لم يعد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى القصر الجمهوري وحده؛ عادت إلى المشهد صورة الدولة وهي تستعيد أحد أثقل رموز سيادتها.
عُزف السلام الجمهوري، وارتفع نشيد العلم السوداني، ووقف الحرس الرئاسي في مكانه؛ مشهد لم يكن عابرًا في يوميات الحرب، لأن القصر الذي ظل أحد رموز الدولة كان يستقبل رأس الدولة من جديد، والخرطوم تستعيد ملامح حضورها الرسمي.
وفي اليوم ، 14 أغسطس، يأتي عيد القوات المسلحة الثاني والسبعون.
وهنا تكتسب المناسبة معناها الأوسع: فقبل أن تبدأ مراسم عيد الجيش اليوم، كانت الخرطوم قد قدمت بالأمس صورتها الأكثر اختصارًا؛ القصر حاضر، ورأس الدولة حاضر، ورموز السيادة حاضرة.
لذلك فإن السؤال لم يعد سؤال توقعات أو رهانات:
ماذا بقي من كل التشكيك في قدرة القوات المسلحة على دحر التمرد واستعادة الخرطوم والقصر؟ وماذا بقي من الرهان الذي أراد أن يجعل وجود مؤسسات الدولة في بورتسودان واقعًا سياسيًا دائمًا، حتى جرى التعامل معه وكأنه «حكومة» بديلة؟
الجواب يقف الآن في قلب الخرطوم.
فالمعركة لم تكن على مبنى أو شارع فحسب؛ كانت على مركز الدولة وهيبتها، وعلى قدرتها على استعادة عاصمتها ومؤسساتها. ولهذا فإن عودة رئيس مجلس السيادة إلى القصر في 13 أغسطس لم تكن تفصيلًا في مشهد الحرب، بل واحدة من أكثر صورها اختصارًا ودلالة.
فالخرطوم لم تكن هدفًا عسكريًا فحسب، وإنما مركز الدولة ومحور حضورها. ومع عودة القيادة إلى القصر، انتقلت النتيجة من مساحة التوقع إلى مساحة الواقع؛ فالنتيجة التي تبدو اليوم شاخصة في قلب الخرطوم لم تأتِ بلا ثمن؛ خلف عودة القصر صفوفٌ من الرجال، ودماءٌ سالت على تراب الوطن، وشهداء دفعوا حياتهم حتى تستعيد العاصمة مكانها وتبقى راية السودان مرفوعة.
ومن هنا يأتي عيد القوات المسلحة هذا العام بوقع مختلف. فالمؤسسة التي تحتفل اليوم بذكراها الثانية والسبعين تفعل ذلك بعد استعادة العاصمة، وبعد أن عاد رأس الدولة إلى قصرها.
لكن للحرس الرئاسي في ذلك المشهد حكاية أخرى.
حين استقامت الصفوف، وعُزف السلام الجمهوري، وارتفع العلم، لم يكن المكان خاليًا من ذاكرة من سبقوا هذه الصفوف إلى الموت دفاعًا عن القصر والوطن.
شهداء الحرس الرئاسي الذين غابوا عن مواقعهم ظلوا حاضرين في الذاكرة، وكأن الواقفين أمام العلم كانوا يقولون لهم:
نحن هنا.. نحيي ذكراكم.. نحفظ عهدكم.. وفي دربكم ماضون.
فالشهداء لا يعودون إلى مواقعهم، لكن الدولة التي دافعوا عنها تعود إلى مواقعها. والراية التي بذلوا حياتهم كي تبقى مرفوعة تظل مرفوعة. وفي ذلك وحده تحية تليق بمن دفعوا الثمن دفاعًا عن الوطن وترابه.
ومن صورة الدولة وهي تستعيد حضورها في قلب العاصمة، يمتد المشهد إلى خارجها.
وفي التوقيت ذاته، جاء اعتماد أوراق سفير المملكة العربية السعودية ليضيف إلى مشهد استعادة الدولة بُعدًا عربيًا ودبلوماسيًا بالغ الدلالة.
فالسعودية، بثقلها العربي والإقليمي، وموقعها المحوري في أمن البحر الأحمر، وعلاقاتها الممتدة والراسخة مع السودان، ليست في المشهد السوداني مجرد حضور بروتوكولي.
وظلت الرياض حاضرة في الجهود السياسية المتعلقة بالحرب، وفي المساعي الرامية إلى دعم أمن السودان واستقراره والحفاظ على وحدته وسيادته. ولذلك فإن اعتماد السفير السعودي في هذا التوقيت يحمل دلالة تتجاوز مراسم الاعتماد نفسها:
الخرطوم التي تستعيد مركز الدولة في الداخل تبدأ في استعادة حضور السودان في محيطه العربي من موقع الدولة، لا من موقع الأزمة.
وتزداد هذه الدلالة ثقلًا بحكم موقع السودان نفسه؛ دولة على البحر الأحمر، ذات امتداد عربي وإفريقي، يرتبط استقرارها بأمن محيطها. ومن ثم فإن عودة الحركة الدبلوماسية إلى الخرطوم ليست مجرد عودة لمراسم رسمية، وإنما إشارة إلى استعادة العاصمة لدورها الطبيعي.
وبالتزامن مع أجواء الاحتفال، جاءت المسيرات لتفرض مشهدًا مغايرًا، في محاولة لمزاحمة الصورة الرسمية وإرباك إيقاعها.
لكنها بقيت على هامش المشهد الأكبر.
فالقصر حاضر، والقيادة حاضرة، والعلم مرفوع، والجيش يحتفل بعيده في قلب الخرطوم.
وهنا تتضح المسافة بين مشهد عابر وبين نتيجة حرب كاملة: الرهان على إبقاء الدولة خارج عاصمتها لم يتحول إلى واقع دائم، ومحاولة صناعة بديل عن مؤسسات الدولة لم تستطع أن تنتزع من الخرطوم موقعها ولا من الدولة مركزها.
لكن استعادة هيبة القصر لا تعني أن المهمة انتهت.
فالانتصار العسكري يضع أمام الدولة مسؤوليات جديدة: إعادة بناء ما دمرته الحرب، واستعادة الاقتصاد والخدمات، وعودة النازحين، وتثبيت الأمن، وتقوية مؤسسات الدولة، حتى لا تجد البلاد نفسها مرة أخرى أمام تمرد يهدد وجودها.
ومن هنا يبدأ الامتحان الأصعب:
أن تجعل الدولة من استعادة مركزها بدايةً لاستعادة عافيتها، ومن تضحيات شهدائها أساسًا لمستقبل لا يُسمح فيه مرة أخرى بأن تصبح الدولة هدفًا سهلًا للبنادق.
فقد حُسم سؤال البقاء، وبقي سؤال البناء.



