مقالات

عودة الجامعات السودانية بين مواجهة آثار الحرب وترحيل الأزمات

د. محمد خليفة صديق:

منذ اندلاع الحرب في السودان، ظل ملف التعليم العالي أحد أكثر الملفات حساسية، لأنه يمس مستقبل أجيال كاملة، ويرتبط مباشرة بمعادلة النزوح والعودة والاستقرار. وفي هذا السياق، أثار قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بإلزام مؤسسات التعليم العالي بالعودة إلى مقارها الأصلية جدلاً واسعاً. وقد انطلق بعض النقد من مخاوف مشروعة ظاهرياً بشأن البنية التحتية وأوضاع الأسر المتأثرة بالحرب وغيرها، لكن هذه المخاوف قامت على قراءة مجتزأة لسياسات الدولة، وخلط بين واجب التعافي الوطني ومسؤولية حوكمة المنظومة التعليمية.
صحيح أن الحرب ألحقت دماراً هائلاً بالجامعات، وأن كثيراً من المؤسسات فقدت مبانيها ومعاملها ومكتباتها ووثائقها، وبعضها فقد جزءاً من كادره وطلابه وموارده. وصحيح أيضاً أن الأسر ليست في وضع واحد، فهناك من تستطيع العودة، وهناك من فقدت كل شيء ولا تملك حتى تكلفة الطريق. هذه حقائق لا ينكرها أحد، ولا ينبغي أن يتعامل معها أي قرار وطني باستخفاف. لكن الاعتراف بها لا يعني تعطيل العودة إلى ما لا نهاية، ولا يعني تحويل المراكز المؤقتة إلى واقع دائم، لأن استمرار الوضع الاستثنائي هو في ذاته استنزاف إضافي للدولة والأسر والطلاب على حد سواء.
أولاً، يصوّر بعض النقد قرار الوزارة كأنه إلزام بالدوام الحضوري الكامل والعودة القسرية الفورية، وهذا غير دقيق. فالخطة المعتمدة لوزارة التعليم العالي لعام 2026م في محورها الأول لإعادة الإعمار تنص صراحة على العودة التدريجية، وتوفير الحد الأدنى من البنية التحتية لاستئناف النشاط، مع اعتماد نظام التعليم الهجين كخيار رئيسي يدمج بين التدريس الحضوري والإلكتروني. كما وضعت الوزارة أطراً تشريعية عبر إعداد وإجازة لائحة تنظيم التعليم الإلكتروني والتعليم عن بُعد، لمراعاة استثنائية المرحلة وظروف الطلاب. فالقرار لم يأتِ في فراغ، بل جاء متكئاً على منظومة سياسات ولوائح واضحة.
ثانياً، ربط قبول دفعات جديدة للعام الجامعي 2026–2027م بإنهاء الأوضاع المؤقتة والالتزام بالمقار ليس عقاباً للجامعات، بل هو تدبير حمائي أصيل لحماية الطلاب وأسرهم. فلا يستقيم رقابياً ولا أخلاقياً السماح لمؤسسة تزعم عجزها عن تسيير الدراسة وترميم معاملها باستقبال دفعات جديدة وجباية رسومها الدراسية لرميها في بيئات تعليمية غير مكتملة الأهلية. إن ضبط الطاقة الاستيعابية والالتزام بالمقار هو صميم المعايير الوطنية لضبط الجودة، ومنع التكسب التجاري على حساب مصداقية التعليم العالي.
ثالثاً، يستند بعض النقد إلى معاناة النازحين لتبرير استمرار الوضع المؤقت، متناسياً أن تمديد العمل بالمراكز البديلة والفروع غير المعتمدة في الداخل ودول الجوار شكل استنزافاً مالياً مرهقاً للأسر عبر تكاليف الإعاشة والإيجارات الباهظة خارج مواطنهم الأصلية. بل إن بعض هذه المراكز تحولت إلى بؤر استغلال تفتقر للترخيص القانوني وتخالف الضوابط المؤسسية، مما جعل حسم ملفها واجباً سيادياً لحماية السجل الأكاديمي ومنع تمدد التعليم الموازي غير المعتمد.
رابعاً، يتردد سؤال: ماذا قدمت الوزارة لهذه الجامعات حتى تعود؟ والواقع أن مؤسسات الدولة لم تقف متفرجة. فقد جرى حفظ الذاكرة الأكاديمية الوطنية واستعادة قواعد البيانات التاريخية بنسبة 100%، وتزويد أكثر من 60 جامعة ببياناتها الأكاديمية المفقودة جراء الحرب لتمكينها من مباشرة أعمالها. كما جرى استعادة وتشغيل مراكز بيانات بديلة، وتجهيز معامل مخصصة للتعليم والامتحانات الإلكترونية بجامعات ولائية متعددة. كما قام الوزير بزيارات ميدانية لجل الجامعات في الخرطوم وعدد من الولايات المتأثرة بالحرب ووقف على جهودها في إصلاح البنية التحتية وتأهيل المقار وعودة الطلاب، وقدم الدعم العيني والمادي لها ، كما تعهدت الوزارة بمعالجة أي مشكلات عالقة بما ملفي الكهرباء والإعفاءات الجمركية.
وسبق ذلك فلاح الوزير دون غيره من الوزراء في زيادة مرتبات اعضاء هيئة التدريس بنسبة 100%، وتدشبن مشروعات استراتيجية تشمل التحول الرقمي والطاقة الشمسية. وتدخلت الدولة على أعلى مستوياتها في تأهيل داخليات الطلاب حيث زار رئيس مجلس السيادة داخليات البركس بجامعة ووجه ودعم بدء أعمال الإصلاح الفوري لها وتهيئتها
لاستقبال الطلاب وتابع رئيس الوزراء د. كامل إدريس الوثبة الثانية من أعمار داخليات الصندوق القومي لرعاية الطلاب وتكفل برعاية الوثبة الثانية.
خامساً، المطالبة باشتراط اكتمال كافة الخدمات وعودة الرفاهية الكاملة قبل صدور قرارات العودة تعكس فهماً مقلوباً لطبيعة إعادة الإعمار. فالجامعات هي المركز المحرك للنشاط الاقتصادي، والنقل، والخدمات، والاستقرار المجتمعي. والارتكان إلى الانتظار السلبي دون سقف زمني ملزم يؤدي إلى تكريس واقع الشتات وتآكل مؤسسات الدولة الأكاديمية وتلاشيها .
إن عودة الجامعات وطلابها هي مؤشر على عودة الحياة الطبيعية إلى العاصمة، ودفع لعجلة التعافي الاقتصادي والخدمي فيها. ومما لا شك فيه أن استمرار الدراسة خارج الحرم الجامعي يهدد جودة العملية التعليمية والاعتراف بالشهادات السودانية دولياً. وقد أكدت الوزارة أن غالبية الطلاب موجودون داخل السودان، وأنها ستحفظ حقوق المتأخرين عبر امتحانات بديلة أو تعويضية، مع التنسيق لتوفير سكن جامعي للطلاب القادمين من الخارج. فالقرار ليس ارتجالياً ولا عقيماً، بل خطوة استراتيجية مدروسة، مدعومة قانونياً وميدانياً، وتهدف إلى إنقاذ مستقبل التعليم العالي في السودان بعد سنوات من الحرب.
إن معالجة آثار الحرب لا تتم بترحيل الأزمات وتشريع الوضع الاستثنائي إلى ما لا نهاية، بل بوضع مواقيت إدارية صارمة تتكامل مع مسارات التعليم الهجين، لدفع المؤسسات نحو تحمل مسؤولياتها في الإعمار التدريجي وحماية القيمة السيادية للشهادات الجامعية السودانية التي اكتسبت سمعتها على مدى مائة عام .
ختاما .. تظل التحديات موجودة وبعضها معقد ، لكن الدولة تتحرك لحلها بالتوازي مع تنفيذ القرار، والانتظار حتى تكتمل كل الظروف ليس هو الحل الأمثل، لأن الانتظار يعني مزيداً من التآكل والضياع لمؤسسات التعليم العالي ولأجيال كاملة من الطلاب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى