مقالات

المؤبد لقيادات سودانية.. هل تكفي الإدانة لإسكات أسئلة العدالة؟

رانيا عمر:

لم يعد الحكم الصادر في أبوظبي بحق قيادات سودانية مجرد إجراء قضائي في قضية تتعلق بصفقات أسلحة وعتاد عسكري، بل تحول إلى اختبار معقد تتقاطع فيه حدود الاختصاص القضائي مع سيادة الدول، وضمانات المحاكمة العادلة مع طبيعة المسؤولية الجنائية الفردية. فحين تصدر أحكام بالسجن المؤبد بحق مسؤولين سودانيين، بينهم قيادات عسكرية رفيعة، في قضية ترتبط بتسليح القوات المسلحة السودانية، يصبح من الضروري التمييز بين حق الدولة في ملاحقة الأفعال التي تقع على إقليمها، وبين حق السودان في ممارسة سيادته على مؤسساته العسكرية واحتياجاته الدفاعية. وبين هذين الاعتبارين تبرز أسئلة لا تجيب عنها بيانات الإدانة وحدها: ما أساس اختصاص القضاء الإماراتي؟ وكيف جرى إعلان المتهمين الموجودين خارج الدولة؟ وهل استُوفيت ضمانات المحاكمة العادلة في المحاكمة الغيابية؟ وما النصوص القانونية التي استندت إليها المحكمة في إصدار عقوبة المؤبد؟ إنها أسئلة تجعل القضية أبعد من مجرد حكم قضائي، وتضع سلامة الإجراءات والتكييف القانوني في صلب النقاش.
في 29 أكتوبر 2026، أعلنت وكالة أنباء الإمارات صدور أحكام بالسجن المؤبد بحق ثمانية أشخاص، من بينهم الفريق ياسر عبدالرحمن العطا، مساعد القائد العام للقوات المسلحة السودانية، وصلاح عبدالله المعروف بصلاح قوش، وعثمان الزبير، وآخرون، في قضية وصفتها السلطات الإماراتية بأنها تتعلق بالاتجار غير المشروع في الأسلحة والذخائر والعتاد العسكري وغسل الأموال. وبحسب الحيثيات المنشورة، تضمنت القضية صفقات لتوريد أسلحة وذخائر إلى الجيش السوداني، ومعاملات مالية عبر شركات وحسابات مصرفية وتحويلات ومبالغ نقدية داخل الإمارات، كما نسبت إلى الفريق العطا طلب شراء الأسلحة والعتاد العسكري، واتخاذ إجراءات لاستخراج إذن هبوط طائرة في مطار بورتسودان، إلى جانب إدخال ذخائر إلى الإمارات تمهيداً لنقلها جواً إلى السودان، وتقديم بيانات شحن تصف الحمولة بأنها أدوات ومستلزمات طبية.
لكن نشر الاتهامات لا يغني عن نشر الحكم الذي فصل فيها، كما أن إعلان الإدانة لا يمثل بذاته إجابة عن الأسئلة المتعلقة بسلامة الإجراءات والأساس القانوني للعقوبة. فالقضية تستوجب إتاحة الحكم بأسبابه ومنطوقه، وملف الدعوى ومحاضر جلساته وأدلة الاتهام وأوراق الإعلان. ومن دون هذه الوثائق، يظل من المتعذر التحقق من كيفية تكوين المحكمة لقناعتها، ومدى استقلال المسؤولية الجنائية لكل متهم عن الآخر، وما إذا كانت الأدلة قد أثبتت الأفعال المنسوبة إلى كل منهم على نحو فردي، أم أن الاتهام استند إلى سردية عامة جرى توزيع المسؤولية في إطارها عليهم جميعاً.
أول ما ينبغي حسمه في هذا السياق هو أساس الاختصاص القضائي الإماراتي وحدوده. فمن حيث المبدأ، يتيح وقوع أفعال مجرّمة داخل الدولة انعقاد اختصاص قضائها بنظرها، لكن هذا المبدأ لا يمنح الاختصاص صفة مطلقة، ولا يعفي المحكمة من بيان الأفعال التي وقعت داخل أراضيها، وصلتها بكل متهم، والأساس القانوني الذي يبرر مساءلة أشخاص يوجدون خارج الدولة. والسؤال هنا ليس إن كان للقضاء الإماراتي حق النظر في جريمة تقع على أراضيه، فهذا حق تقرره قواعد الاختصاص الإقليمي، وإنما ما الوقائع التي اعتبرتها المحكمة جرائم مكتملة أو أفعالاً تدخل في اختصاصها؟ وما الدور المحدد الذي نسبته إلى الفريق العطا؟ وهل جرى التمييز بين ممارسة مسؤول سوداني لدوره في تأمين احتياجات مؤسسة عسكرية وطنية، وبين ارتكاب فعل تتوافر فيه الأركان القانونية لجريمة يعاقب عليها القانون الإماراتي؟
ومن هنا تكتسب مسألة التكييف القانوني أهمية مركزية، خصوصاً أن قانون الأسلحة والذخائر والمتفجرات والعتاد العسكري والمواد الخطرة الإماراتي، الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم 17 لسنة 2019، يميز بين جرائم تختلف في طبيعتها وأركانها وعقوباتها. فالمادة 49 تقرر السجن المؤبد لمن يدخل أسلحة أو ذخائر أو متفجرات أو عتاداً عسكرياً أو مواد خطرة إلى الدولة، أو يصنعها أو يجمعها أو يبيعها أو يشتريها أو يقتنيها، بقصد ارتكاب جريمة من الجرائم الماسة بأمن الدولة. وهذا النص لا يجعل مجرد التعامل في الأسلحة سبباً كافياً لفرض المؤبد، بل يشترط قصداً خاصاً يتجاوز الفعل المادي إلى اتجاه إرادة المتهم نحو ارتكاب جريمة تمس أمن الدولة. أما المادة 50 فتتناول الاتجار غير المرخص في المتفجرات والعتاد العسكري واستيرادها وتصديرها وتصنيعها وإدخالها وإخراجها، وتقرر عقوبة السجن المؤقت وغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف درهم. فيما تتناول المادة 51 الاتجار غير المرخص في الأسلحة النارية وذخائرها واستيرادها وتصديرها وتصنيعها وإدخالها وإخراجها، وتقرر السجن المؤقت مدة لا تزيد على عشر سنوات وغرامة لا تقل عن مائتين وخمسين ألف درهم. والفارق بين هذه النصوص ليس تفصيلاً تشريعياً يمكن تجاوزه، بل هو جوهر القضية. فالمادة 73 تصنف الجرائم المنصوص عليها في المادتين 49 و50 ضمن الجرائم الماسة بأمن الدولة، بينما تظل المادة 49 مرتبطة بقصد خاص يتعين على المحكمة إثباته واستظهاره من الوقائع والأدلة. لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه حيثيات الحكم بوضوح هو: هل أُدين المتهمون بموجب المادة 49، وما الأدلة التي أثبتت القصد الخاص الذي يتطلبه النص؟ أم أن الأفعال المنسوبة إليهم تدخل في نطاق الاتجار أو الاستيراد غير المرخص الذي عالجته المادة 50؟ وإذا كانت المحكمة قد انتهت إلى الحكم المؤبد، فما الأساس القانوني المحدد الذي اعتمدته، وكيف استوفت أركانه في مواجهة كل متهم على حدة؟ لا يكفي وصف الوقائع بأنها اتجار غير مشروع في العتاد العسكري لتفسير عقوبة المؤبد، ولا يجوز الخلط بين جريمة تتطلب قصداً خاصاً يتعلق بأمن الدولة، وجريمة تتعلق بمخالفة ضوابط الترخيص والتداول. فالعقوبة لا تُستمد من خطورة الوصف الإعلامي للقضية، وإنما من النص الذي تنطبق عناصره على الوقائع الثابتة.
ويمتد هذا التدقيق إلى شق غسل الأموال، الذي يستوجب تحديداً مستقلاً للقانون الواجب التطبيق. فقد صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم 10 لسنة 2025 بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، ودخل حيز النفاذ في 14 أكتوبر 2025، متضمناً تعريفاً للأفعال التي تشكل غسل الأموال، ومنها تحويل المبالغ المالية أو إجراء معاملات بقصد إخفاء أو تمويه مصدرها غير المشروع أو طبيعتها أو ملكيتها. غير أن صدور هذا القانون قبل الحكم لا يعني بالضرورة أنه القانون الذي يحكم جميع الوقائع محل الدعوى؛ إذ إن العبرة بتاريخ ارتكاب الأفعال، وبالنصوص النافذة وقت وقوعها، مع مراعاة القواعد المتعلقة بتطبيق القانون الأصلح للمتهم. وعليه، ما الفترة الزمنية التي وقعت فيها المعاملات المالية المنسوبة إلى المتهمين؟ وما القانون الذي طبقته المحكمة على كل واقعة؟ وهل حددت الأموال التي قيل إنها متحصلات غير مشروعة، وأثبتت صلتها بالجريمة الأصلية، والقصد الجنائي المرتبط بها؟
وإذا كان تحديد الاختصاص والتكييف القانوني يمثلان أساس الحكم من الناحية الموضوعية، فإن إجراءات التعاون القضائي بين السودان والإمارات تمثل الوجه الآخر الذي لا يجوز غض الطرف عنه عند تقييم القضية. فقد أبرم البلدان اتفاقية للتعاون القضائي عام 2005، صدّقت عليها الإمارات بموجب المرسوم الاتحادي رقم 8 لسنة 2005، كما صدّق عليها السودان في 20 يونيو من العام نفسه. ولم تقتصر الاتفاقية على تسليم المجرمين، بل شملت المساعدة القانونية المتبادلة في المسائل الجنائية، وتسليم المستندات القضائية وغير القضائية، والحصول على الأدلة والبينة، إلى جانب صور أخرى من التعاون القانوني والقضائي. وبذلك لم يكن البلدان أمام فراغ قانوني يتيح التعامل مع القضايا ذات الامتداد العابر للحدود وفق تقديرات إدارية أو إجراءات غير معلومة، وإنما أمام إطار تعاهدي يحدد وسائل التعاون وقنواته والتزاماته.
وتعزز هذا الإطار أحكام القانون الإماراتي رقم 39 لسنة 2006 بشأن التعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية، الذي نظم صور المساعدة القضائية، بما فيها تحديد أماكن الأشخاص واستجوابهم، وتبليغ المستندات، وتقديم المعلومات والأدلة والوثائق، وتنفيذ إجراءات التحقيق المطلوبة. وتتناول المواد 43 و44 صور المساعدة وطريقة تقديم طلباتها، بينما تحدد المادة 46 البيانات والمستندات التي ينبغي أن يتضمنها طلب المساعدة. وفي المقابل، تنظم المادتان 59 و60 طلب السلطات الإماراتية المساعدة من سلطة قضائية أجنبية، والبيانات والوثائق الواجب إرفاقها به. وهذه الأحكام تطرح سؤالاً مباشراً: هل جرى تفعيل قنوات التعاون القضائي المتفق عليها بين البلدين في هذه القضية؟ وهل طلبت السلطات الإماراتية مساعدة الجهات السودانية المختصة في الحصول على الأدلة أو تبليغ المتهمين أو استكمال إجراءات التحقيق؟ وإذا كانت قد فعلت، فما طبيعة الطلبات التي قُدمت، وما الردود التي تلقتها؟ وإذا لم تفعل، فما الأساس القانوني الذي اعتمدت عليه في تجاوز مسارات التعاون المتاحة؟
ولا تقف المرجعيات عند الاتفاقية الثنائية، إذ تشكل اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي إطاراً إضافياً واجب النظر، بعد إقرارها في 6 أبريل 1983 ودخولها حيز النفاذ في 30 أكتوبر 1985. وقد صادق السودان عليها في 26 نوفمبر 1984، فيما أودعت الإمارات وثيقة تصديقها في 11 مايو 1999. وتكتسب هذه الاتفاقية أهميتها من تنظيمها إجراءات التبليغ والإنابات القضائية وتسليم المتهمين والمحكوم عليهم، فضلاً عن صور التعاون القضائي الأخرى. فالمادتان 3 و4 تقرران حق مواطني الدول الأطراف في التقاضي أمام الهيئات القضائية في الدول الأخرى والدفاع عن حقوقهم، والحصول على المساعدة القضائية وفق القوانين المعمول بها في الدولة التي يجري فيها التقاضي. أما المواد 6 و8 و11 و12 فتتناول تبليغ المستندات القضائية، والجهات المختصة بتلقي طلبات التبليغ في المسائل الجزائية، والبيانات اللازمة، وإثبات حصول الإعلان وتاريخه والشخص الذي تسلم المستند.
وهنا ينتقل السؤال من وجود الاتفاقيات إلى مدى احترام الإجراءات التي نصت عليها. فإذا كان بعض المحكوم عليهم موجودين خارج الإمارات، فكيف جرى إعلانهم؟ وهل تم تبليغهم عبر القنوات القضائية المختصة؟ وما المستندات التي تثبت تسليم أو وصول أوامر الإحالة والتكليف بالحضور؟ وهل تضمنت أوراق الإعلان البيانات اللازمة، وحددت تاريخ التسليم والشخص الذي تسلم أمر التكليف بالحضور؟ إن الإعلان في القضايا الجنائية ليس إجراءً شكلياً يمكن الاستعاضة عنه بالافتراض أو العلم العام، بل هو ضمانة أساسية لحق أي متهم في معرفة الاتهامات الموجهة إليه والاستعداد للدفاع عن نفسه. ومن ثم فإن إثبات سلامة الإعلان يقع في صميم تقييم المحاكمة، ولا يمكن حسمه بمجرد القول إن المتهمين كانوا خارج الدولة أو لم يحضروا جلسات المحاكمة.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند قراءة المادة 201 من قانون الإجراءات الجزائية الإماراتي الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2022، والنافذ اعتباراً من الأول من مارس 2023. فقد نظمت هذه المادة إعلان المتهم المقيم خارج الدولة بأمر الإحالة والتكليف بالحضور في محل إقامته إذا كان معلوماً، قبل الجلسة المحددة لنظر الدعوى بشهر على الأقل، وأجازت للمحكمة الفصل في غيبته إذا لم يحضر بعد إعلانه أو تعذر تنفيذ الإعلان. كما أوجبت المادة 202 تلاوة أمر الإحالة والأوراق المثبتة لإعلان المتهم الغائب في الجلسة قبل الفصل في الدعوى. وبناءً على ذلك، فإن المسألة ليست في جواز المحاكمة الغيابية من حيث المبدأ، فالقانون يجيزها بشروط، وإنما في إثبات تحقق تلك الشروط في هذه القضية تحديداً. هل كانت عناوين إقامة المتهمين معلومة؟ وهل استُوفيت مهلة الشهر؟ وما الوسيلة التي استخدمت في الإعلان؟ وهل تعذر الإعلان فعلاً، أم جرى الاكتفاء بإجراء آخر؟ وهل عُرضت مستندات الإعلان وتُليت أمام المحكمة وفق ما تقضي به المادة 202؟ هذه أسئلة إجرائية جوهرية، والإجابة عنها لا تكون بالتخمين، وإنما بالاطلاع على أوراق الدعوى.

وإذا كان الإعلان الصحيح هو المدخل إلى المحاكمة، فإن ضمانات الدفاع هي جوهرها. فالمادة 4 من قانون الإجراءات الجزائية الإماراتي توجب وجود محامٍ للدفاع عن كل متهم في جناية معاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد خلال مرحلة المحاكمة، وتلزم المحكمة بانتداب محامٍ إذا لم يوكل المتهم محامياً. وهو نص تزداد أهميته في قضية انتهت إلى أحكام بالسجن المؤبد بحق متهمين لم يحضروا المحاكمة أصلاً. فهل ندبت المحكمة محامين للدفاع عنهم؟ وهل أُتيح لهؤلاء المحامين الاطلاع على كامل ملف الدعوى ومناقشة الأدلة والرد على الاتهامات؟ وهل كان الدفاع قادراً على اختبار الأدلة ومواجهة الشهود والخبرات الفنية والمستندات المالية التي تأسست عليها الإدانة؟
وفي هذا السياق، تكتسب المادة 204 أهمية إضافية، إذ تقرر إعادة نظر الدعوى أمام المحكمة إذا حضر المحكوم عليه غيابياً أو قُبض عليه. وهذا ضمان قانوني ينبغي عدم إغفاله عند تقييم الآثار المترتبة على الحكم الغيابي، لكنه لا يعفي من فحص سلامة الإجراءات السابقة، ولا يجعل الإعلان الصحيح أو حق الدفاع أموراً ثانوية. فالسؤال ليس فقط ما إذا كان القانون يتيح إعادة نظر الدعوى عند حضور المحكوم عليه، وإنما ما الضمانات التي كفلتها المحكمة منذ بداية الإجراءات، وما إذا كان المحكوم عليه قد أُتيحت له فرصة حقيقية لمعرفة الاتهام ومواجهته والدفاع عن نفسه.
أما الحديث عن تسليم المحكوم عليهم أو ملاحقتهم خارج الإمارات، فيستوجب التوقف عند ثلاثة مسارات قانونية لا يجوز الخلط بينها: المحاكمة، والتسليم، والاعتراف بالأحكام وتنفيذها. فالمادة 39 من اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي تجيز للدولة الامتناع عن تسليم مواطنيها، مع التعهد بملاحقتهم في حدود اختصاصها إذا تلقت طلباً من الدولة الأخرى مستوفياً للملفات والوثائق والمعلومات اللازمة، وفق الشروط التي حددتها المادة. وهذا النص لا يقرر حصانة مطلقة للمواطن من المساءلة، ولا يجعل تسليمه إلزامياً، وإنما يضع معالجة قانونية تراعي سيادة الدولة على مواطنيها، وتتيح لها ملاحقتهم وفق اختصاصها الوطني متى توافرت شروط ذلك. وتحدد المادة 42 إجراءات طلب التسليم والمستندات اللازمة، ومنها بيانات الشخص المطلوب، وأمر القبض أو الحكم القضائي، وبيان الوقائع وتاريخها ومكانها، والوصف القانوني والأدلة الفعلية التي يستند إليها الطلب.
ومن هنا يأتي دور ملف الإنتربول، لكن من دون الخلط بين النشرة الحمراء وطلب التسليم الرسمي. فالنشرة الحمراء ليست مذكرة قبض دولية، وإنما طلب إلى أجهزة إنفاذ القانون في الدول الأعضاء لتحديد مكان شخص مطلوب وتوقيفه مؤقتاً تمهيداً للتسليم أو لاتخاذ إجراء قانوني مماثل، وفق القوانين الوطنية للدولة المعنية. ولا يملك الإنتربول إصدار أوامر قبض وطنية أو إلزام الدول الأعضاء بتنفيذها. ولذلك لا يجوز افتراض صدور نشرة حمراء بحق الفريق ياسر العطا أو أي من المحكوم عليهم لمجرد صدور الحكم، كما لا يحق الجزم بتقديم طلب تسليم رسمي دون مستند معلن. والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه السلطات المختصة في السودان هو: هل تقدمت الإمارات بطلب تسليم؟ وهل طلبت إصدار نشرة حمراء؟ وما الجهة التي تلقت الطلب، وما المستندات التي أرفقت به، وكيف جرى التعامل معه وفق الاتفاقيات والقوانين ذات الصلة؟
ويقتضي هذا التمييز أيضاً عدم التعامل مع الحكم الأجنبي باعتباره نافذاً تلقائياً في السودان. فاتفاقية الرياض أفردت في المواد 58 وما بعدها أحكاماً مستقلة لتنفيذ العقوبات الجزائية، وحددت شروطاً تتعلق بنهائية الحكم وموافقة الدولة المطلوب منها التنفيذ وموافقة الشخص المحكوم عليه، وفق الضوابط الواردة فيها.
ولا يمكن فصل هذه الأسئلة القانونية عن السياق السياسي الذي صدرت فيه الأحكام، في ظل التوتر الحاد في العلاقات السودانية الإماراتية على خلفية الحرب في السودان، والاتهامات السودانية الموجهة إلى الإمارات بشأن دعم قوات مليشيا الدعم السريع. غير أن الإشارة إلى هذا السياق لا تعني تجاهل الأبعاد السياسية للقضية.
ومن هذا المنطلق، فإن واجب السودان ينبغي أن يتحول إلى تحرك قانوني ودبلوماسي مؤسسي يبدأ بطلب النسخة الكاملة من الحكم وأسبابه، والحصول على ملف الدعوى ومحاضر الجلسات وأدلة الاتهام وأوراق إعلان المحكوم عليهم، والتحقق من إجراءات ندب المحامين ومدى تمكينهم من ممارسة الدفاع عن المحكوم عليهم. كما ينبغي مراجعة الأساس القانوني الذي أقيمت عليه أحكام المؤبد، وتحديد المواد التي طبقتها المحكمة، وفحص مدى توافر أركانها في حق كل متهم على حدة، والتحقق من القانون الواجب التطبيق على وقائع غسل الأموال بحسب تواريخ ارتكابها. وبالتوازي مع ذلك، يتعين مخاطبة الجهات المختصة بشأن مسارات التعاون القضائي التي نظمتها اتفاقية 2005 واتفاقية الرياض، والاستفسار عن طلبات المساعدة القضائية والتبليغ والإنابات القضائية، وما إذا كانت قد قُدمت طلبات تسليم أو اتُّخذت إجراءات عبر الإنتربول.
إن الدفاع عن حقوق الفريق ياسر عبد الرحمن العطا وغيره من المواطنين السودانيين الذين شملتهم الأحكام ليس مطالبة بمنحهم حصانة من القانون، وإنما هو تمسك بحق السودان في معرفة الأساس الذي قامت عليه الأحكام، والتحقق من احترام الاتفاقيات التي تربطه بالدولة التي أصدرتها، وضمان عدم المساس بحقوق مواطنيه خارج الأطر القانونية المقررة. فسيادة الدول لا تعني تعطيل العدالة، كما أن ممارسة الاختصاص القضائي لا تعني تجاوز الضمانات التي تحكمه. وبين الأمرين تقع مسؤولية السودان في الدفاع عن مواطنيه ومؤسساته، ومطالبة السلطات الإماراتية بإظهار الأسس القانونية والإجرائية التي بنت عليها أحكامها.
فالقضية في جوهرها ليست معركة بين السودان والعدالة، ولا مواجهة بين سيادة دولة وحق دولة أخرى في تطبيق قانونها؛ إنها اختبار لمدى احترام القانون حين تتقاطع المصالح والسياسة والاختصاصات القضائية. وإذا كانت السلطات الإماراتية تتمسك بحق قضائها في الفصل في القضية، فمن حق السودان أن يطالب بكشف كامل ملفها، وأن يتحقق من سلامة الاختصاص والتكييف القانوني والإعلان وحق الدفاع، وأن يستخدم الاتفاقيات الثنائية والإقليمية لحماية حقوق مواطنيه. فالحكم القضائي الأجنبي، مهما بلغت عقوبته، لا يلغي حق الدولة السودانية في الدفاع القانوني عن مواطنيها، ولا يسقط حقوقهم المقررة بموجب القانون والاتفاقيات، ولا يحول دون مساءلة الإجراءات التي أفضت إليه. إن سيادة السودان ومكانة قواته المسلحة وحقوق قياداته الوطنية ليست موضع تنازل، كما أن احترام القانون لا يكون بقبول الأحكام دون فحص، بل بإخضاعها لمعايير الاختصاص والعدالة والضمانات القانونية. فسيادة السودان وحقوق مواطنيه لا تسقط بحكم قضائي، والدفاع عنها واجب وطني وقانوني لا يقبل المساومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى