مراسم دفن النظام الدولي، هل تمهد لعالم ما بعد الشرعية؟!

بقلم/ الجميل الفاضل:
في سبت واحد، اهتزت أركان عالمٍ تشكل منذ 1945.
قالها النائب الأوروبي برنار غيتا علي خلفية اعتقال الرئيس “مادورو” بوضوح: “رئيس الولايات المتحدة دفن، نعم دفن فعلاً، كلّ الأسس التي قام عليها النظام الدولي”.
لم يكن التصريح مبالغة عاطفية بقدر ما كان وصفًا دقيقًا لانهيار مبدئي لمرجعيات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانفلات التحالفات الكبرى من ضوابط القانون الدولي إلى فضاء القوة والواقع.
وللحقيقة فبعد يومين فقط من عملية اختطاف واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، عاد الرئيس الأمريكي لتوجيه تهديدات جديدة تتعلق بضم غرينلاند، استهداف إيران، كوبا، المكسيك وكولومبيا، عشية اجتماع لمجلس الأمن الدولي يناقش ما حدث في فنزويلا.
وكأن ترامب قد أراد بهذه التصريحات إختبار النظام العالمي، أمام خطوة إنفاذه عزمه المطلق، علي فرض مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، يختفي فيها إحترام “القانون الدولي”، ومفاهيم “السيادة” وكل ما شاكل ذلك.
قابلها بالطبع رد فعل خجول تمثل في حديث الخارجية الفرنسية، في بيان رسمي، عن غياب غطاء شرعي عن العملية الأمريكية، لكنه حديث عاجله الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بتدوينة على منصة “إكس”، اعتبر فيها أنه يمكن للشعب الفنزويلي أن يحتفل بالتخلص من ديكتاتورية مادورو، دون أي إشارة إلى القانون الدولي واحترام سيادة الدول.
كما أعلنت رئيسة الحكومة الإيطالية عن موقف مشابه لموقف ماكرون، دون ان ينتبه الاثنان إلى أن تصرف ترامب، يمنح بوتين الحجة في مواصلة غزوه لأوكرانيا، دفاعا عما يصفه بـ”الأمن القومي الروسي”.
في وقت يبدو وكأن الصين قد ربحت هي أيضا، ضوء أخضرا لوضع يدها على تايوان، لأن لا شيء يمنع من تطبيق “عقيدة مونرو شرقية أو آسيوية” بمثلما تعتبر واشنطن الأمريكيتين منطقة نفوذ لها، تفعل فيها ما تريد، فإن بكين يمكن أن تطبق الاستراتيجية ذاتها على تايوان، دون إمكانية لاعتراض أمريكي أو غربي على ذلك.
إنها مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، كانت إسرائيل قد ابتدرتها بإعلان اعترافها الرسمي بـ”جمهورية أرض الصومال”، الكيان غير المعترف به دوليًا منذ أكثر من ثلاثة عقود.
الاعتراف لم يكن فقط خطوة دبلوماسية، بل خرق رمزي وجريء لأحد أخطر المحظورات في السياسة الدولية: الاعتراف بإقليم انفصالي دون تفويض أممي، ودون تسوية نهائية في إطار الدولة الأم.
الحدثان الأمريكي والاسرائيلي، في توقيتهما ومضمونهما، ليسا معزولين عن بعضهما.
فكل من ترامب ونتنياهو يمضيان، كل بطريقته، في مشروع مشترك عنوانه: نهاية الشرعية الدولية كما نعرفها، واستبدالها بشرعية القوة، والصفقات، والوقائع المفروضة.
لقد مهّد ترامب لذلك منذ سنوات: بالانسحاب من بعض الاتفاقيات الدولية، وبالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبإقرار ضم الجولان الي دولة الكيان، بل وبالالتفاف علي صلاحيات مجلس الأمن الدولي، وبتقويض دور الأمم المتحدة في كثير من المواقف والمجالات.
أما نتنياهو، فقد وجد من جانبه في لحظة التراخي الغربي فرصةً لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية من بوابة “الدول غير المُعترف بها”، مستغلاً عطش بعض الكيانات لفردوس الشرعية المفقود.
لكن ماذا بعد؟، هل ستكون أرض الصومال النموذج الأول، أم تتبعها أقاليم أخري في السودان، والشرق الليبي، وعدن، وربما كاتالونيا.
كلها دول مرتقبة ستقف في طابور “الشرعيات الجديدة” التي تُمنح باعتراف إسرائيلي أو أميركي مهمته أن يفتح الباب؟.
لكن هل نحن اليوم بصدد نظام عالمي بديل يولد في الظل، على أنقاض مواثيق سابقة، حيث تصبح الدولة هي من يعترف بها البعض تبعا لواشنطن وتل أبيب، لا من تحميها قرارات مجلس الأمن؟.
ومن التالي إذن؟ وكم من الكيانات المتوثبة التي تنتظر لحظة دفن الشرعية الدولية، لتولد من تحت رمادها؟.
هي الي الآن علي الأقل، مجرد اسئلة لقدح الأذهان، لا أكثر ولا أقل.




