الصحافة تغلق أبوابها بوجه ذوي الإعاقة السمعية

مرض جدتي وإصابتي بالسحائي وما بينهما من ملابسات مؤلمة
مكابدة زوجين من الصم ، بين ويلات الحرب ومعاناة النزوح ، كما روتها سوسن العبد للصحفي عبدالله رزق أبوسيمازة
(٣)
بعد سنتين ونيف من النزوح تحت وطأة الحرب اللعينة ، هاانا وأسرتي الصغيرة ، في الفادنية ، حيث ولدت ونشأت وترعرعت ، اتأملها ، لارى ما أبقت الحرب من ملامحها وما اخذت ، فتداهمني ذكريات الطفولة والصبا ، حلوها ومرها ، واستعيد التجارب والخبرات التي اهلتني لأن أكون قادرة على التعامل مع تحديات الحرب والنزوح . الحرب التي لاتزال تدور ، في دارفور وكردفان وغيرهما ، وهي تحصد الأنفس والثمرات ، وتزيد عدد المعاقين ، كل يوم . وذلك قبيل ايام من مغادرتي إلى الكدرو، حيث بيتي.
هنا ولدت ، في الفادنية، لكن ربتني جدتي لأبي ،اذ اخذتني وانا طفلة صغيرة لاعيش معها في حي آخر من أحياء قريتنا العامرة. اذكر أنني كنت اذهب لمنزل امي وابي في فترات متفاوته . كانت جدتي حنونة ، ولم ترزق ببنات ، ولم يكن لها غير ولدين ، ابي وعمي عبدالقادر . اذكر أنها كانت تأخذني معها ، وانا صغيرة ، إلى المسجد لأداء الصلوات . وعندما بلغت العاشرة من عمري أصيبت جدتي بمرض استدعى ذهابها إلى العاصمة ،حيث بقيت
أكثر من شهر ، بينما ذهبت انا للعيش مع امي واخوتي. وكنت افتقد لجدتي . لهذا اذهب الى بيتها صبيحة كل يوم ، امكث بالقرب من بابه إلى حين موعد الفطور ، فأعود إلى بيت امي. ومع تكرار جلوسي في الشمس ، بدأت أشعر بالحمى. ولزمت الفراش ، وأصبحت استفرغ كل ما يدخل جوفي ، ثم بدأت افقد حواسي بصورة سريعه . ثم فقدت القدرة على الحركة وعلى الرؤية وفقدت القدرة السمع… فاسرعوا بي إلى مستشفى الكاملين، وهناك تأكد اصابتي بالسحائي، ومع العلاجات ،والرعاية الطبية استعدت كل شئ ، إلا السمع .
———————–
ما عادت الحياة
هي الحياة…!
————————
صيف عام 1994م مرضت جدتي لابي والتي كنت اعيش معها منذ ان كان عمري اقل من خمسه شهور . اخذها ابي الي العاصمة للعلاج وطلب مني ان اذهب لامكث مع امي واخواني لحين عودتها . كان لجدتي ولدين ، هما ابي وعمي لهذا اغلق بيتها لان ابنها الثاني ، عمي بالسعودية … لا زلت اتذكر ذلك اليوم . ولا زلت اتذكر قدر الحزن التي اصابني رغم صغر سني وقتذاك …
صبيحه كل يوم اذهب الي منزل جدتي الذي كان مغلقا ، فأجلس بجوار الباب الي ان ينتصف النهار ، بعد ذلك اعود لامي، التي لم تكن تظن انني امكث في الشمس بجوار منزل جدتي ، كانت تعتقد انني العب مع اقراني . ولعلها لم تعتقد ، أيضا ، أن تلك الحمى ، التي لاحظتها ، هي بدايات إصابتي بالسحائي ، ولن تجدي معها المهدئات ، التي شرعت في تعاطيها ، وانها لن تنتهي إلا باحتجازي بالمستشفي ، وتلقي علاج السحائي . وبعد عدة ايام جاء ابي لزيارتي في المستشفي وفرحت كثيرا لانني ادركت ان جدتي رجعت لبيتها ، اخبرته انني اريد العودة للبيت ، فرفض لاني لا زلت اتلقي العلاج . بكيت وامتنعت عن تناول الطعام. وبعد الحاح مني سمحوا لي بمغادرة المستشفي . وعندما رجعت إلى البيت ، وجدت جدتي قد عادت ، ففرحت بها فرحا شديدا ، الا ان تلك الفرحة لم تدم طويلا ، إذ أن جدتي ، بعد عودتها ، لم تكن بخير… كانت تحتضر . وكانت أيامها معدودة….عشت معها آخر أيام حياتها ، وهي تتأرجح بين الحياة والموت . كان يغمى عليها ثم تفيق من جديد ، لتبدأ الصراع المرير مع الامها واهاتها… أتذكر يوم وفاتها . اذكر أنه اغمى عليها كالعادة بعد صلاه العصر… فاجهشت بالبكاء.. فقالوا لي انها لم تمت ، لكني لم اصدقهم .
كانت مغمضه العينين ، عندما ادخلوني اليها، كانت نحيلة وكان جسدها هزيلا ، بكت كثيرا عندما رأتني . جلست على الأرض بجوار رأسها وانا ابكي رفعت يدها وربتت على راسي الا ان عينيها لم تفتحهما ابدا . وظلت هكذا ، إلى أن سلمت الروح لباريها بعد صلاه العشاء.
كانت فكرة الموت في حد ذاتها تخيفني . وكنت اصحو كل يوم ، وانا أخشى أن تموت في ذلك اليوم ، لكن حدث ما كنت اخشاه ، إذ لم تبق على قيد الحياة كثيرا ، ورحلت ، وخلفت لي من الحزن ما لاطاقة لي به . ومع ذلك الفقد المؤلم ، عدت لأعيش بقية حياتي مع امي وابي.
———————
حزينا يتساقط رذاذ
المطر فوق سقف الغرفة
——————–
سوسن أأنت بخير ؟
يأتيني الصوت من بعيد ، فارد:
– ارجلي تؤلمني.
-ثم ماذا؟
-رأسي ثقيل.ولا ارى..
وسمعي ،ايضا
تلك كانت خالتي عائشة، وهي تجلس عند قدمي.. .
كان رذاذ المطر يتساقط حزينا علي سقف الغرفة .انقطع التيار الكهربائي . الظلام دامس . اشعر ببروده تسري في جسمي . حرارة جسدي مرتفعة .جسدي ثقيلا ولا استطيع ان احرك ارجلي …
مرت ساعه كانها دهر . كنت اغفو واصحو .لم اعد اسمع رزاز المطر . هل المطر توقف ؟ لم اعد اسمع صوت امي ، وخالتي اللائي كن يجلسن بجواري .. ناديت : امي … امي … صوتي ثقيل …. احسست بيد امي تمسك بيدي .. بكيت :” امي انا لا اسمع اي شئ … امي انا لا اري … امي راسي يولمني ..” اخذتني في حضنها ….
في صبيحة اليوم الثاني توقفت الامطار ، واشرقت الشمس . اجتمع الاهل في بيتنا كنت اري الشخص الواحد شخصين ، كل عين تري في اتجاه ،وفقدت السمع تماما ولا استطيع الوقوف علي قدمي . القرية هادئه ملأى بمياه الامطار. النسيم البارد يلفح وجهي ، وانا مستلقية مثل الجثة علي السرير اخذوني الي المستشفى . كنت بين الحياة والموت .بعد ذلك لم اعد اعي ..
في المستشفى تم تشخيص حالتي بالاصابة بالسحائ بسبب التعرض للشمس بصورة متكررة .وقدمت لي الرعاية اللازمة . وعندما افقت وبدأ جسمي يتعافي ، ادركت انني لم اعد كما كنت . وما عادت الحياة هي الحياة . فقدت حاسة السمع . ولم ابك او اشك من ذلك .فقد اعطاني ربي قوة داخلية وثقة بالنفس . وكنت سعيدة لانني لم افقد بصري او حركتي … ولحكمة ، لم افقد سوي حاسة السمع ، رغم ان الجميع كانوا يتوقعون اصابتي بالعمي والشلل .
—————————-
العودة لمقاعد الدراسة ،
بغير شرط ، وبدون حاسة سمع :
—————————-
مرت علي ايام عصيبة اثرت في كثيرا. وعندما فتحت المدرسة ابوابها كنت منتقلة للصف الرابع اساس . رفضت الذهاب الي المدرسة ،واخبرت اسرتي انني لن اذهب الا اذا استعدت سمعي . لكن امي اصرت علي ، ان اواصل دراستي ، اطعتها ولم اجد صعوبة في مواصلة التعليم ، بالعكس كنت متفوقة . لم يؤثر فقد السمع في استيعابي كنت ذكيه وتنقلت في المراحل الدراسية دون صعوبه تذكر . ومع مر الايام لم اعد ابالي كثيرا بما ابتليت به فقد تعايشت مع الحالة بصورة كبيرة ونسيت ما هي الاصوات .تفوقت في المرحلة الثانوية وكنت الاولى علي مستوي قريتي والخامسة على مستوى المركز .. ورغم ان درجتي كانت توهلني لدخول جامعة الخرطوم الا ان اول رغبة لي كانت جامعة القران الكريم كلية الاقتصاد بسبب اعجابي الشديد بمعلمتي التي درستني التربية الرياضية في المرحلة الثانوية وتخرجت من ذات الجامعه ونفس الكلية .. وكنت اتمنى ان اصبح معلمة مثلها…
——————-
أمام باب الصحافة المغلق
بوجه ذوي الاعاقة السمعية :
——————–
كنت في بداياتي الصحفية اعمل بصحيفة أخبار اليوم والدار ، حين التقيت بالاستاذ محمد مبروك محمد أحمد ، الذي أخبرني بأن الصم لهم جمعيه أسسها البروفسير طه أحمد طلعت ، اختصاصي الأنف والأذن والحنجرة ، وطلب مني أن أذهب إلى الجمعية والتحق بالعمل بها . وكان ذلك اول لقاء لي باخوتي الصم في الجمعية القومية السودانية لرعاية الصم ، في الخرطوم (٢) ،جوار الكنيسة الحبشية. كانت ايام جميلة ، حيث التقيت هناك ، لأول مره ، بزوجي يوسف. وهو خريج هندسة كهرباء ، فقد السمع نتيجة إصابته بالسحائي ، وكان أيضا في العاشرة من عمره. وعندما عرض على الزواج ، لم أرفض ، إذ أن ظروفنا متشابهة ، إلى حد بعيد.
كنت قد اكتشفت ، من وقت مبكر ، ميولي الإعلامية ، وقد حاولت خلال فترة دراستي بالجامعة ، دراسة الإعلام عن طريق الانتساب الا ان تلك أمنية لم يكتب لها النجاح. ومع ذلك فقد حصلت على القيد الصحفي ، بعد أن نجحت في اجتياز الامتحان الخاص بالقيد الصحفي ، ومن ثم التحقت بالعمل في الصحافة ، وتنقلت بين أكثر من صحيفة . ويمكن القول إن ميولي الاعلامية بدات تظهر منذ السنة الاولى في الجامعه ، حيث كنت اشارك في تحرير الصحيفة الطلابية ، وارافق طلبة الاعلام للتدريب بالصحف . ومع الايام ادركت ان الاعلام يناسبني ، فحاولت الانتساب لاحدي كليات الاعلام. وتلك امنية لم يكتب لها النجاح . لا انسى ، أن في عديد المرات التي كنت اقدم فيها للعمل في جريدة من الجرائد كنت أواجه بالرفض بحجة أن السمع ركيزة اساسية بالنسبة للصحفي ، الى ان التقيت بالاستاذ مبارك البلال، الذي سمح لي العمل كمتدربة في صحيفة الدار ، وكان معي عدد من المتدربين وفي نهاية التدريب ، تم اختياري كمحررة بالصحيفة ضمن اثنين فقط من جملة المتدربين .وفيما بعد تركت الدار والتحقت بصحيفة اخرى . وفي كل صحيفة انتقل لها احرص علي تحرير صفحة متخصصة في شئون الاشخاص ذوي الاعاقة وذلك جعلني اتعمق اكثر في عالمهم ، والتعرف علي مدي الظلم الواقع عليهم سواء من قبل افراد المجتمع ، او من عائلاتهم ، او من الحكومات المتعاقبة . فمثلما منحتني الصحافة فرصة التعرف أكثر على عالم المعاقين ، فإن الاعاقة ، بدورها ،اعطتني الكثير. ففي قريتنا ، كان من غير المسموح للفتاه بدراسة الجامعه ، ولكن ابي سمح لي ، الأمر الذي فتح المجال لفتيات آخريات لمواصلة الدراسة .
وبينما يزداد عدد المعاقين بدلالة استمرار الحرب ، ويضاعف بالتالي واجبات المجتمع الغارق في لا مبالاته تجاههم ، فإن ذوي الاعاقة السمعية يتقدمون عدد الضحايا من المعاقين ، نتيجة عدم سماعهم للانفجارات وأصوات القتال ، حتى عندما يقترب منهم ، وفق بعض المنظمات ذات الصلة ، يليهم ذوي الاعاقة الحركية ، الذين تخذلهم الحركة السريعة والخفيفة في مواقع القتال، عندما يكون ذلك شرطا للنجاة .
يتبع


