«هورايزون».. بوابة اتصال أم ثغرة في أمن السودان الرقمي؟

رانيا عمر:
حين يصبح الطريق الذي تمر عبره بيانات الدولة جزءاً من حسابات الأمن القومي، لا يعود الحديث عن كابل ألياف ضوئية مجرد حديث عن سرعة الإنترنت وسعة الاتصال. فالكابل الذي يعبر الحدود يحمل أكثر من البيانات؛ يحمل قدرة الدولة على التواصل وإدارة مؤسساتها واقتصادها وخدماتها، ويحمل، في زمن الحرب، معلومات يمكن أن تكون في حد ذاتها جزءاً من المعركة. ومن هنا، فإن مشروع «هورايزون»، الذي يربط جيبوتي بالسودان عبر الأراضي الإثيوبية، يستحق قراءة مختلفة تماماً عن الطريقة التجارية التي يُقدَّم بها.
الاتفاق الثلاثي الذي يجمع «سوداتل» بشركتي الاتصالات في إثيوبيا وجيبوتي ينص على إنشاء ممر بري عالي السعة يربط محطات الكابلات البحرية في جيبوتي بمحطات السودان، مروراً بالأراضي الإثيوبية. والمشروع، الذي بدأ كاتفاق مبدئي قبل أن يتحول إلى اتفاق استراتيجي في فبراير 2026، دخل في سبتمبر مرحلة التهيئة التجارية، مع تقديمه لشركات تقنية واتصالات عالمية تمهيداً للتشغيل التجاري. أي أنه لم يعد فكرة على الورق، وإنما مشروع يجري دفعه نحو الواقع، وهو ما يجعل النقاش حوله أكثر إلحاحاً، لا أقل.
لكن المشكلة ليست في الكابل نفسه، ولا في حاجة السودان إلى تحسين اتصالاته الدولية، وإنما في أن هذا الكابل اختير له أن يمر عبر إثيوبيا.
وهنا لا يمكن تجاهل حقيقة أن السودان لا يعيش اليوم علاقة طبيعية مع إثيوبيا. فقبل أن يجري الحديث عن شراكة اتصالات عابرة للحدود، كانت الخرطوم وأديس أبابا قد دخلتا في مرحلة متقدمة من التوتر الأمني والسياسي، واتهم السودان إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها في أعمال عدائية ضد السودان. ولم تعد هذه الاتهامات مجرد تصريحات سياسية عابرة؛ فقد أعلن الجيش السوداني أكثر من مرة إسقاط مسيّرات قال إنها جاءت من الأراضي الإثيوبية، وصولاً إلى إعلان إسقاط مسيّرة معادية قادمة من الاتجاه الإثيوبي في أحدث الوقائع التي سبقت طرح المشروع تجارياً.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب التعامل مع إثيوبيا باعتبارها مجرد دولة عبور محايدة. فالدولة التي يقول السودان إن تهديدات عسكرية تأتيه من أراضيها لا يمكن، في الوقت نفسه، أن تتحول إلى ممر استراتيجي لاتصالات السودان وكأن شيئاً لم يحدث. فالمسألة هنا ليست خلافاً دبلوماسياً يمكن وضعه في ملف منفصل عن الاقتصاد، وإنما علاقة أمنية متوترة يمكن أن تؤثر في أي بنية استراتيجية مشتركة.
ولهذا أرى أن اختيار إثيوبيا في هذا التوقيت تحديداً ليس قراراً تجارياً يمكن تبريره فقط بقِصر المسافة أو الكفاءة الفنية أو خفض التكلفة. فالسودان الذي يواجه تهديداً أمنياً على حدوده الشرقية لا ينبغي أن يزيد اعتماده الاستراتيجي على الدولة التي تأتي منها، وفق البيانات العسكرية السودانية، تهديدات أمنية. والمنطق الأمني هنا بسيط: عندما تكون العلاقات في حالة عداء، فإن تقليل نقاط الاعتماد يصبح جزءاً من حماية الدولة، لا بناء نقاط اعتماد جديدة عليها.
بل إن الأمر يتجاوز مسألة احتمال انقطاع الكابل أو تعطله. فالاعتماد على مسار يمر في أراضي دولة معادية يخلق في حد ذاته نقطة ضغط محتملة، لأن أي أزمة سياسية أو عسكرية يمكن أن تنتقل آثارها إلى البنية التي يفترض أن تضمن استمرار اتصال السودان بالعالم. وفي زمن الحرب، لا تستطيع الدولة أن تفترض أن المصالح التجارية ستظل محمية عندما تتغير الحسابات الأمنية.
وهنا تتضح المفارقة: السودان يخوض حرباً لحماية سيادته على الأرض، ثم يدخل في مشروع استراتيجي يمكن أن يجعله أكثر اعتماداً على أراضي دولة يقول موقفه الرسمي إنها تمثل جزءاً من التهديد الذي يواجهه.
ولا يمكن قراءة ذلك بمعزل عن التحولات الاستراتيجية الأوسع في إثيوبيا. فالدولة الحبيسة جعلت الوصول إلى البحر الأحمر واحداً من الملفات المركزية في حساباتها خلال السنوات الأخيرة، وطرحت أكثر من صيغة للحصول على منفذ بحري أو توسيع حضورها في محيط البحر الأحمر. وفي المقابل، يمثل السودان، وبورتسودان تحديداً، موقعاً بالغ الأهمية في الجغرافيا الإقليمية، ليس فقط بالنسبة إلى حركة التجارة، وإنما أيضاً بالنسبة إلى شبكات الاتصال والكابلات البحرية.
ولهذا، فإن وضع المشروع في سياقه الجغرافي والاستراتيجي يجعل من الخطأ التعامل معه باعتباره كابلاً معزولاً عن بقية التحولات التي تجري حول السودان والبحر الأحمر. فالبنية التحتية الاستراتيجية لا تُقرأ فقط من وظيفتها المعلنة، وإنما من موقعها، والأطراف التي تشارك فيها، والبيئة التي تتحرك داخلها.
ومن هنا نصل إلى «سوداتل»، وهي الحلقة السودانية في هذا المشروع. الشركة ليست مملوكة بالكامل للدولة، وإنما هي شركة مساهمة عامة ذات مساهمة حكومية، وتملك الحكومة السودانية نحو 22.6 في المائة من أسهمها، فيما تتداول أسهمها أيضاً في سوق أبوظبي للأوراق المالية إلى جانب مساهمين آخرين. وهذه الحقيقة مهمة، لأنها تعني أن وجود الحكومة داخل الشركة لا يجعل كل قرار تجاري تتخذه الشركة قراراً سيادياً للدولة السودانية.
لكن هذه الحقيقة لا تخفف المسؤولية، بل تزيدها. فإذا كانت «سوداتل» شركة مساهمة عامة وليست جهازاً حكومياً، فإن الدولة مطالبة بأن تضع بنفسها الحدود السيادية التي لا يجوز لأي اتفاق تجاري تجاوزها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببنية اتصالات قادرة على حمل بيانات الدولة والمواطنين والمؤسسات الحيوية.
وهنا يدخل العامل الإماراتي بصورة أكثر حساسية. فأسهم «سوداتل» المتداولة في سوق أبوظبي ليست تفصيلاً يمكن تجاهله، خصوصاً في ظل العلاقات الإماراتية–الإثيوبية الوثيقة والمتنامية، وفي ظل الاتهامات السودانية الرسمية للإمارات وإثيوبيا معاً بالضلوع في هجمات استهدفت السودان من داخل الأراضي الإثيوبية. وقد ذهبت الخرطوم، في مايو الماضي، إلى استدعاء سفيرها لدى إثيوبيا على خلفية ما وصفته بالعدوان الإماراتي–الإثيوبي بالمسيرات، بينما نفت الإمارات وإثيوبيا الاتهامات.
هذه الخلفية تجعل الحديث عن «هورايزون» أكثر من مجرد حديث عن ثلاثة مشغلين للاتصالات. فنحن أمام مشروع يجمع شركة سودانية ذات مساهمة حكومية وأسهم متداولة في سوق أبوظبي، مع شركة اتصالات إثيوبية مملوكة للدولة، وشركة اتصالات جيبوتية مملوكة للدولة، في ظل شراكة إماراتية–إثيوبية قوية. وكل هذه المعطيات تثير الانتباه، وتستوجب توضيحاً من «سوداتل» حول الاعتبارات التي دفعتها إلى الدخول في هذا المسار واختيار هذه الأطراف تحديداً.
وفي مثل هذا السياق، لا أرى أن من مصلحة السودان أن يتعامل مع هذه العناصر باعتبارها ملفات منفصلة. فالأمن القومي لا ينظر إلى ملكية كل شركة بمعزل عن شبكة المصالح التي تحيط بها، ولا يتعامل مع البنية الاستراتيجية باعتبارها مجرد صفقة تجارية تنتهي مسؤوليتها عند توقيع العقد.
وهنا تحديداً يصبح الدفاع عن المشروع باعتباره مجرد استثمار أو شراكة تقنية غير كافٍ. فالدول لا تحمي أمنها القومي بالثقة في حسن نيات الشركاء، وإنما بتحديد من يملك القرار، ومن يملك مفاتيح الحماية، ومن يملك صلاحيات الوصول، وما الذي يحدث إذا تغيرت العلاقات بين الدول المشاركة.
والكابل نفسه ليس جوهر القضية؛ البيانات هي جوهر القضية.
يمكن للسودان أن يستخدم التكنولوجيا الأجنبية، وأن يستعين بالشركات العالمية، وأن يشتري المعدات والخبرات من أي مكان في العالم. لا أحد يقول إن السيادة الرقمية تعني أن يصنع السودان كل شيء بنفسه. لكن هناك فرقاً هائلاً بين استخدام التكنولوجيا الأجنبية وبين وضع البنية الاستراتيجية للدولة في مسار يمكن أن يتحول، في لحظة توتر، إلى ورقة ضغط على الدولة.
كما أن البرامج والبيانات المتعلقة بالمواطنين والمؤسسات الحكومية والقطاع المصرفي والبنية التحتية الحيوية يجب أن تكون خاضعة لإدارة سودانية واضحة من الناحية القانونية والتقنية والأمنية. أما مفاتيح الحماية، وصلاحيات الوصول، وإدارة البيانات الحساسة، وآليات الطوارئ، والقدرة على استمرار الخدمة عند وقوع أزمة سياسية أو عسكرية، فهذه ليست تفاصيل تجارية يمكن تركها لتفاهمات الشركات.
وإذا كان السودان يريد أن يستفيد من «هورايزون»، فعليه أولاً أن يضمن ألا يتحول إلى اعتماد أحادي على المسار الإثيوبي. فالبنية الاستراتيجية الحقيقية لا تقوم على طريق واحد، وإنما على مسارات بديلة وقدرة على الاستمرار في حال تعطل أحدها. كما أن أي ترتيبات تتعلق بالبيانات السيادية يجب أن تكون خاضعة لقواعد سودانية واضحة، لا لمجرد بنود تجارية بين الشركات.
السودان يحتاج بالفعل إلى ربط أفضل بالعالم، ويحتاج إلى تطوير بنيته الرقمية، ويحتاج إلى الاستفادة من موقع بورتسودان، بل ويحتاج إلى تحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية. لكن كل ذلك يجب أن يحدث من موقع الدولة التي تحمي مصالحها، لا من موقع الدولة التي تقبل بأي مسار لأنه أسرع أو حتى أقل كلفة مادية.
وهنا تتصل قضية «هورايزون» بصورة مباشرة بتجربة الحرب نفسها. فقد كشفت الحرب أن الاتصالات ليست خدمة هامشية، وأن تعطيل الاتصال أو التحكم في المعلومات يمكن أن يؤثر في الدولة والمجتمع والاقتصاد. وبالتالي، فإن أي بنية اتصالات استراتيجية جديدة يجب أن تُعامل منذ لحظة التخطيط لها باعتبارها جزءاً من الأمن القومي، لا مجرد مشروع تجاري.
وفي تقديري، فإن الظروف الحالية لا تسمح للسودان بالتعامل مع إثيوبيا كشريك استراتيجي في بنية اتصالات بهذا الحجم. فالدولة التي تشهد العلاقة معها هذا المستوى من العداء والاتهامات الأمنية ليست المكان الذي ينبغي أن يبني السودان عبره اعتماداً جديداً في قطاع بالغ الحساسية. وإذا كان السودان يبحث عن تنويع اتصالاته، فإن المطلوب هو تنويع حقيقي يقلل المخاطر، لا نقل الاعتماد إلى مسار جديد يمكن أن يصبح رهينة للصراعات الإقليمية.
كما أن تشابك المصالح الإماراتية والإثيوبية حول المشهد الإقليمي يجعل الحذر أكثر ضرورة، لا أقل. فالسودان الذي يواجه تدخلاً إقليمياً متشابكاً في حربه لا يستطيع أن يتعامل مع البنية التي تحمل بياناته بمنطق أن كل طرف فيها منفصل تماماً عن تحالفاته وتقاطع مصالحه الأخرى.
المطلوب، إذن، ليس تخويف السودانيين من التكنولوجيا، ولا رفض التعاون الدولي، وإنما رفض أن تتحول الحاجة المشروعة إلى الاتصال إلى مدخل لاعتماد استراتيجي على أطراف لا تتوافق مصالحها بالضرورة مع المصالح السودانية.
فمشروع «هورايزون» يمكن أن يبدو على الورق مشروعاً واعداً لتطوير الاتصال وربط السودان بشبكات دولية جديدة، لكن قيمة أي مشروع لا تُقاس فقط بما يضيفه إلى سرعة الشبكة وسعتها، وإنما أيضاً بما يتركه للدولة من قدرة على التحكم والحماية والاستقلال في لحظة الأزمة.
والسودان الذي يدفع اليوم ثمناً باهظاً للدفاع عن سيادته لا يستطيع أن يتعامل مع السيادة الرقمية باعتبارها ملفاً ثانوياً. فالأرض يمكن حمايتها بالقوة، أما البيانات، فإذا خرجت من دائرة السيطرة، فقد يكون استردادها أكثر تعقيداً من استرداد موقع عسكري.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان توقيع الاتفاق الثلاثي سيحسن اتصال السودان بالعالم، وإنما ما إذا كان السودان سيظل صاحب القرار في البنية التي ستحمل هذا الاتصال.
لا يكفي أن تصل الألياف إلى بورتسودان؛ يجب أن تبقى مفاتيح البيانات السودانية في يد السودان.
ففي زمن أصبحت فيه البيانات قوة، فإن السيادة لا تعني فقط أن تملك الدولة الأرض التي يمر فوقها الكابل، وإنما أن تملك القرار في ما يمر عبره.


