مقالاتمنوعات وفنون

حفريات المعرفة: عندما تطرق “الحقيقة” أبواب “الوصاية” (٣/١)

محمد الامين ابوالعواتك: 

ما بين الدكتور وسيم السيسي، الدكتور زاهي حواس، والشيخ النيّل أبو قرون

في سلسلة مقالاتي السابقة (المعرفة.. من يجرؤ؟)، التي نُشرت على صفحات صحيفة (الوطن) وموقع (ثقافات) العربي، خضنا في مفهوم “حفريات المعرفة” بوصفها منهجية تفكيكية، واستعرضنا معاركها لزعزعة فرضيات المناهج العلمية التقليدية. لقد أكدنا حينها أن هذه الحركة سيكون لها “القدح المعلّى” في الوصول إلى خلاصات حاسمة، وأن على سدنة التخصصات الأكاديمية الصارمة و مرجعيات العلوم أن تتسع صدورهم لمساهمات القادمين من خارج أسوارهم؛ أولئك الذين ينشطون في قضايا عجز عنها أهل الدار لسنوات وقرون، محققين فيها اختراقات كبرى.

من السودان إلى مصر: وحدة المسرح وتأثير الديناميكية المعرفية

إن الشواهد على معارك “أهل الحفريات” مع “الوصاية المعرفية” كثيرة في محيطنا العربي. ففي السودان، لسنا ببعيدين عن الهجوم الشرس الذي شنه (البعض) على خلاصات كتاب “نبي من بلاد السودان” عند صدوره عام 2010. الكتاب الذي حرك برك الدراسات الحضارية الراكدة، وبعث جذوة الحراك الكثيف الذي تشهده بلادنا حتى اليوم، وصفه رئيس هيئة علماء السودان وقتها بأنه “خيال محض”. المفارقة الفكرية الصادمة اليوم، هي رؤية هؤلاء المعارضين أنفسهم يركبون موجة “تيار الحفريات” الذي حاربوه بالأمس؛ ما يؤكد أن مواقف الكثيرين ليست مبدئية، بل هي مجرد “خلجة نفس” وغريزة بقاء معرفي.

هذا الملمح المعرفي يتكرر هذه الأيام بزاوية أخرى في مصر، من خلال السجال المحتدم بين الدكتور وسيم السيسي (طبيب جراحة الكلى والباحث في علم المصريات) والأثاري المعروف الدكتور زاهي حواس (وزير الآثار الأسبق). هذا الأخير تقدم بشكوى رسمية إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مطالباً بمنع ظهور الدكتور وسيم في وسائل الإعلام؛ بدعوى “حفظ التاريخ المصري من العبث وضمان تقديم معلومات دقيقة”.تعود جذور الخلاف إلى أطروحات الدكتور وسيم حول وجود “وادي ملوك ثانٍ”، وحديثه مؤخراً عن أن الأهرامات كانت “محطات لتوليد الطاقة” وليست مدافن، وهي نظريات اعتبرها الدكتور زاهي حواس والدكتور ممدوح الدماطي تزييفاً للوعي واعتماداً على خرافات لا أساس لها. وهو ما يماثل ما واجهه فضيلة الشيخ النيّل أبو قرون في بحوثه من تضييق، والتي تضمنت كذلك جانباً عن الأهرام وكيف ولماذا تم بناؤها. وهو هجوم لم يفلح في صرف الأنظار عن تميز هذه البحوث أو انتشارها الواسع ضمن منهجية ترتيلية متكاملة.

الثورة الرقمية وتداعي جدران مرجعيات العلوم

امتداداً لهذا الصراع المحتدم بين حراس التخصص ورواد الحفريات، نجد أنفسنا اليوم أمام واقع جديد فرضته أدوات العصر؛ حيث تصاعدت أهمية مطلوبات “حفريات المعرفة” بعنف مع الثورة العالمية الكبرى في تكنولوجيا الاتصال. فسرعة تبادل المعلومات، وتطور البرمجيات، والوصول الحر والمفتوح للبحوث، كلها عوامل رفعت سقف التحدي أمام المؤسسات الأكاديمية كاستحقاق معرفي عاجل. لقد بدا واضحاً أن أطر الخلاصات القديمة للعلوم المعرفية والإنسانية لم تعد مقنعة في كثير من المناهج، لاسيما عند مواجهة تحديات المجهول، أو المسائل غير المحسومة التي ظلت لعقود تعتمد على فرضيات واهية وضعيفة.ومع عجز أهل التخصص التقليديين عن تحقيق اختراقات ملموسة—لأسباب سياقية تتعلق بغياب الأثر التاريخي أو تعرضه للدمار والتخريب والتشويه—فقدت قبضة “الوصاية الأكاديمية” قدرتها على حماية مقرراتها وفرضياتها “المحنطة”. ولم تنجح محاولات الإحاطة، والتجييش، والتشكيك في ثني “أهل الحفريات” عن مواصلة البحث الدؤوب عن “الحقيقة المجردة”؛ بل إنهم اختطوا لأنفسهم طرقاً ووسائل ومنابر رقمية جديدة ومتقدمة ، مكنتهم من إسماع صوتهم بقوة وتجاوز حواجز المنع والتحجير التقليدية.

خاتمة:

يظن البعض ان هذا التدافع كأنه ترف لا أهمية له ضمن اجندة سياسية و اقتصادية متصاعدة يعلو الصراخ حولها، لكنه لو يعلمون المحرك الاساسي للكثير وله ما بعده، وكما اقول دائما انه زمان “قيامة المعارف” ولحظة بروزها بعد تغييب القرون .إن القادم من خارج الأسوار سيظل دائماً يطرق الأبواب بعنف، ولن يسمح “للوصاية” الأكاديمية او الدينية أن تتحكم في العلوم والمعلومات وفقاً لترتيباتها وهياكلها القديمة. لن يرتضي هذا التيار أن تظل الأطر الحاكمة للمعارف البشرية مغلقة ومكتفية بذاتها، وترفض استقبال أي دفق معرفي جديد في عالم مثقل بالاسئلة الحائرة وتوق للحقيقة المجردة، خاصة وإن كان هذا الدفق يرتكز على مرجعية رصينة وبحوث موثقة. ستظل خلاصات الحفريات دائماً صادمة، ومخالفة للسائد والمسلّم به.. فهكذا هو حال الحفريات دائماً، تخلخل الركود لتصنع الوعي المتجدد.

كاتب وناشر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى