
د. خالد محمد علي:
أزمة ضمير أم فشل إدارة أم اقتصاد مصالح؟
في السودان اليوم قد يبدأ نهار المواطن بصف طويل أمام محطة الوقود وينتهي برحلة شاقة بحثا عن رغيف الخبز بينما يترقب عودة الكهرباء إلى منزله. وبين الوقود والخبز والظلام تتكرر معاناة الناس وكأن أبسط مقومات الحياة أصبحت امتيازات يصعب الحصول عليها.
لا أحد ينكر أن الحرب ألحقت بالبلاد دمارا هائلا وأضعفت مؤسساتها وبنيتها التحتية وشردت الملايين من أبناء شعبها، لكن هل يجوز أن تتحول الحرب إلى مبرر دائم لغياب الشفافية وضعف الرقابة وتأخر الحلول؟ وهل المطلوب من المواطن أن يتحمل نتائج الحرب واختلالات الإدارة معا دون أن يعرف أين تذهب موارد بلاده ومن المسؤول عن استمرار أزماته؟ إن السؤال لم يعد متى يعود الوقود أو تستقر الكهرباء أو ينخفض سعر الخبز فحسب بل كيف وصل السودان إلى مرحلة أصبح فيها الحصول على أساسيات الحياة معركة يومية؟ وهل نحن أمام أزمة موارد أم أزمة إدارة ومؤسسات أم اقتصاد مصالح تتقاطع فيه المسؤوليات وتغيب عنه المحاسبة؟
أزمة الوقود لم تعد مجرد نقص في الإمدادات بل أصبحت اختبارا حقيقيا لشفافية منظومة الاستيراد والتمويل والتوزيع. وهنا تبرز مسؤولية مؤسسة النفط وبنك السودان والجهات المعنية بالتعاقد والاستيراد. من يمنح امتيازات الاستيراد؟ وعلى أي أسس تختار الشركات الموردة؟ وكيف تخصص العملة الأجنبية؟ ومن يراقب الكميات المتعاقد عليها وما يصل منها فعليا إلى الموانئ والأسواق؟ وإذا كانت الإجراءات سليمة فلماذا لا تنشر العقود والفواتير وبيانات التمويل والكميات المستوردة أمام الرأي العام؟ فالوقود شريان الاقتصاد ومحرك الزراعة والصناعة والنقل والمخابز ومحطات المياه والكهرباء وأي خلل في إمداداته ينعكس مباشرة على حياة المواطنين. أما الكهرباء فقد أصاب الحرب بنيتها التحتية بأضرار جسيمة شملت المحطات والمحولات وخطوط النقل وهو ما يفرض خططا واضحة لإعادة التأهيل وتأمين الحد الأدنى من الإمداد للمستشفيات ومحطات المياه والمخابز والمرافق الإنتاجية.
لكن أين خطط الطوارئ؟ ومن يتابع تنفيذها؟ ومتى تتحول الوعود إلى نتائج؟ وعلى الجانب الآخر يقف رغيف الخبز شاهدا على تداخل الأزمات، فالقمح يحتاج إلى تمويل واستيراد وتخزين وطحن ونقل والمطاحن تحتاج إلى الوقود والكهرباء والمخابز تحتاج إلى إمدادات مستقرة. ومع تركز بعض حلقات الاستيراد والطحن والتوزيع لدى عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين تبرز ضرورة الرقابة والمنافسة العادلة. فأين بيانات القمح المستورد والمخزون الاستراتيجي والدقيق المنتج والموزع؟ ومن يضمن عدم الاحتكار أو التلاعب بالإمدادات والأسعار؟ هذه ليست اتهامات مسبقة لشركات أو مؤسسات بعينها بل أسئلة مشروعة تتطلب إجابات موثقة لأن المواطن من حقه أن يعرف حقيقة ما يجري في القطاعات التي ترتبط بقوته واحتياجاته الأساسية.
ومن هنا تكتسب زيارة رئيس مجلس السيادة للمؤسسات المعنية أهمية تتجاوز البروتوكول والتغطية الإعلامية لكنها تفتح الباب أمام سؤال جوهري: ماذا بعد الزيارة؟ وهل ستتحول إلى قرارات عملية تكشف الخلل وتعالج أسبابه أم ستظل مجرد مشهد ينتهي بانتهاء التغطية؟ فالزيارة وحدها لا توفر النقد الأجنبي ولا تفكك الاحتكار ولا تعيد المحولات إلى الخدمة وإنما تقاس قيمتها بما تتركه من نتائج ملموسة تشمل مراجعة عقود الاستيراد وتدقيق عمليات التمويل وإعلان كميات الوقود والقمح والمخزون المتاح ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي تجاوز ووضع جداول زمنية واضحة لإصلاح الكهرباء وتأمين الإمدادات. ولا يمكن إغفال الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر وما يحيط بالإقليم من تنافس وتوترات قد تؤثر في أمن الملاحة وسلاسل الإمداد وتكاليف الشحن والتأمين. فالموانئ السودانية شرايين حيوية للاقتصاد والأمن الغذائي والطاقي الأمر الذي يستدعي رؤية وطنية تحميها وتنويع الموردين والشركاء وتضمن أن تكون المصلحة السودانية فوق حسابات المحاور والمصالح الضيقة. أما الخروج من الأزمة فيتطلب إجراءات عاجلة لتأمين الوقود للمستشفيات والمخابز ومحطات المياه ومشروعات الزراعة وتسريع صيانة محطات الكهرباء وضمان وصول الدقيق إلى الأسواق ونشر بيانات واضحة عن العقود والكميات والأسعار. وعلى المدى البعيد لا بد من إعادة بناء قطاع الطاقة وتنويع مصادر التوليد وتشجيع إنتاج القمح محليا وتطوير المصافي والمخازن وشبكات النقل وإرساء رقابة مستقلة تحمي المال العام وتمنع تضارب المصالح. فالدول لا تتجاوز أزماتها بتدوير المشكلات أو تكرار الوعود وإنما بمواجهة أسبابها وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تقصيره دون استثناء بسبب المنصب أو النفوذ.
لكن هل نحتاج حقا إلى مكبرات صوت حتى يسمع المسؤولون أنين المواطن السوداني؟ ألا تكفي صفوف الوقود الممتدة أمام المحطات؟ ألا تكفي أرغفة الخبز التي أثقلتها الأسعار والمنازل التي يطول فيها الظلام والمستشفيات التي تكافح لتقديم خدماتها والمزارع الذي ينتظر الطاقة والوقود لإنقاذ موسمه؟.
كم من التقارير نحتاج حتى ندرك أن وراء كل رقم في جداول الأزمة أسرة أنهكها الانتظار وطفلا ينتظر وجبته ومريضا ينتظر العلاج وعاملا ينتظر عودة مصنعه إلى الدوران؟ إن هذه الأسئلة لا تستهدف توجيه اتهامات مسبقة إلى أشخاص أو مؤسسات وإنما تطالب بكشف الحقائق ووضع المسؤوليات أمام الرأي العام ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أيا كان موقعه أو نفوذه. فالأوطان لا تنهار بالحروب وحدها بل تتعمق جراحها حين تتقدم المصالح الضيقة على المصلحة العامة ويصبح غياب المحاسبة أمرا مألوفا ويفقد المواطن ثقته في مؤسسات يفترض أنها وجدت لحمايته وخدمته.
إن السودان لا يحتاج إلى من يشرح للمواطن لماذا انطفأت الكهرباء ولماذا شح الوقود ولماذا أصبح الرغيف بعيدا عن متناول يده فالمواطن يعيش الأزمة ويدفع ثمنها من قوته وصحته ومستقبل أبنائه، ما يحتاجه السودان اليوم إرادة سياسية جادة وشفافية تكشف أين تذهب الموارد ومحاسبة لا تستثني أصحاب النفوذ وإدارة تجعل احتياجات المواطن أولوية لا بندا مؤجلا. فالسودان ليس شركة خاصة وموارده ليست غنيمة ولقمة مواطنه ليست مجالا للمساومة، والسيادة ليست علما يرفرف فوق الموانئ فحسب بل هي أن يجد المواطن وقوده ورغيفه وكهرباءه وأن يشعر بأن وطنه قادر على حمايته وصون كرامته، فمن يطفئ نور السودان ويحتكر وقوده ورغيفه؟
والأهم من ذلك من يملك الإرادة لكشف الحقيقة ومحاسبة المقصرين وإعادة الدولة إلى دورها واستعادة ثقة المواطن قبل أن نفقد ما تبقى منها؟


