
ياسر تركي:
تتنزل نفحات الإيمان على القلوب مع إشراقة هلال ذي الحجة حاملةً معها عبقًا ربانيًا يملأ الآفاق طهرًا وجلالًا إنها الأيام العشر… التي أقسم الله بها في محكم التنزيل وسكب النبي ﷺ في القلوب حبها وشغفها حين أعلنها مدوية في الآفاق بأن العمل الصالح فيها ليس له عديل ولا مثيل في سائر أيام العام.
في هذه المقال نبحر في ظلال ما خطّه الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه الفذ (لطائف المعارف) لنستجلي الأسرار الروحية لهذه النسمات المباركة
دهشة الصحابة وعظمة الأجر.
حين وقف النبي ﷺ يخطب في أصحابه قائلًا:
ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام تحركت في نفوس الصحابة التواقين للشهادة دهشة عارمة.
تساءلوا بلهفة المتربي على حب الذروة يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فجاء الجواب النبوي ليرسي ميزانًا جديدًا للتفاضل ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.
هنا يتجلى الفقه الأسمى لقد غدا العمل المفضول في ذاته (كالتسبيح والصيام والذكر) فاضلًا بل متفوقًا لبركة الزمان وشرفه إن ثواب العمل في هذه الأيام يضاعف مضاعفةً تجعل العبادة الهادئة في محراب الطاعة تفوق صليل السيوف وغبار المعارك إلا من جاد بنبضات قلبه وآخر درهم في كيسه شهادةً خالصًا في سبيل الله.
ترانيم الذكر والصفاء في عرفة
هي واحة لضجيج الألسن بالتحميد والتبتل والتكبير لقد كان التابعون كالحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير يعظمون هذه الليالي تعظيمًا شديدًا حتى رُوي عن سعيد قوله لا تطفئوا سُرْجكم ليالي العشر كنايةً عن استغراق الليل في القيام والتبتل
وفي قلب هذه الرحلة الروحية يبرز يوم عرفة كتاجٍ مرصع بالمغفرة وفي ظلال هذا اليوم العظيم يوضح الإمام عبد العزيز بن باز رضي الله عنه معالم المنحة الربانية فعلى الرغم من أن ظاهر السنّة يشير إلى أن صيام عرفة يكفر الكبائر من الصغائر استنادًا إلى قوله ﷺ: “الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة. كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر إلا أن في موقف عرفة سرًا آخر حيث يباهي الله بأهل الموقف ملائكته ويدنو جل وعلا ليعتق الرقاب من النار فالحج المبرور والوقوف الخالص بغير إصرار على الذنوب يغسل الصحائف ليعود المرء كما ولدته أمه.
إن أيام العشر من ذي الحجة هي سوقٌ إلهية تُقام لعدة أيام ثم تنفض الرابح فيها من اغتنم دقيقتها بتكبيرة وساعتها بدمعة توبة ونهارها بصيام نافلة إنها دعوة لتجديد العهد مع الله والاستحمام في غدير المغفرة قبل أن تطوى صحائف الأيام الفاضلة فليجتهد كلٌّ منا بقدر استطاعته عسى أن نفوز بنفحة لا نشقى بعدها أبدًا.


