منوعات وفنون

حفريات المعرفة: عندما تطرق “الحقيقة” أبواب “الوصاية” (٣/٢)

محمد الأمين ابوالعواتك: 

الأهرامات: من ابن تغري بردي إلى الشيخ النيّل أبوقرون ودكتور وسيم السيسي

لغز الأهرامات: عندما تصدم التقنية جدران الإنكار

أواصل في ما قدمت له حول الموضوع في المقال السابق، وأشير هنا إلى اللقاء الذي تم في بودكاست (حكايات ضيوف الأهرام)، واستضافت فيه الإعلامية رانيا حفني الدكتور وسيم السيسي، الباحث في علم المصريات، في حوار بعنوان (الأهرام.. هل كانت مصادر للطاقة أم مقابر؟). أوضح فيه الدكتور وسيم باستفاضة ما يعضد وجهة نظره التي يقول بها؛ في أن أهرام الجيزة كانت مصادر للطاقة وليس مقابر كما يقول (أهل الآثار). وبيّن أنه توصل إلى هذه الحقيقة ليس فقط من واقع عدم وجود مدافن أو جثامين داخلها، بل أيضاً عبر مستجدات علمية بحثية تتمثل في أنشطة وجهود علماء التقى بهم عالمياً.

ذكر د. وسيم السيسي منهم العالم (أرماندو مي) و خبير الاستشعار عن بعد (د.فيليبو بايوندي)، والأخير هو الذي حاز على براءة اختراع تكنولوجي جديد، طوّر فيه الرادار الأرضي التقليدي (GPR) بإضافة (تقنية السونار) و(الدوبلر)، ليطلق عليه اسم (SAR). صارت هذه التقنية المتقدمة قادرة على عمل مسوحات لباطن الأرض تصل لمسافة 3 آلاف متر (3 كيلومترات عمقاً)، في مقابل 20 إلى 50 متراً فقط للرادار القديم الذي كان يُوضع على الأرض، بينما يمكن لتقنية (SAR) أن تُحمل على متن طائرة أو قمر صناعي.

بموجب هذه التقنية، أصبحت مجموعة (د.فيليبو بايوندي)—التي تضم عدداً من العلماء—مصدراً للحلول الاستشارية لكثير من المعضلات الجيولوجية عالمياً، مثل فحص التشققات في (سد الموصل) والمخاوف من تجدد بركان (فيزوف) في إيطاليا. وما يهمنا هنا، هو أن عضو المجموعة الباحث (اكوردادو مالانجا) أشار على (د.بايوندي) بتصوير هضبة الجيزة التي توجد بها الأهرامات. وبالفعل، قام الفريق بتصويرها بتقنية SAR الحديثة، ليفاجأ الجميع بظهور أشكال هيكلية غامضة أسفل الاهرام أثارت تعجبهم. أعاد الفريق التصوير للمرة الثانية والثالثة للتأكد، ثم أعادوه بعد أسبوع كامل، وكانت النتيجة مطابقة تماماً للتصوير الأول! لجأت المجموعة بعد ذلك إلى هيئتين في الولايات المتحدة والدنمارك تستخدمان ذات التقنية لمزيد من التحقق الفني، وجاءت النتيجة مماثلة: تأكيد وجود “مكعبين” أسفل هرم خفرع عند عمق يقارب 648 متراً، يبلغ ضلع كل واحد منهما 80 متراً، وهما موصولان بأعمدة كبيرة ممتدة إلى أعلى، يلتف حول كل عمود سلك حلزوني لا يُعرف بدقة إن كان من النحاس أم من الذهب.
وبالرجوع لما اعلنه الفريق البحثي من تفاصيل الاكتشاف ،بأنه وجد خمسة منشآت متعددة المستويات، تربط بينها ممرات هندسية متناسقة تمتد أسفل الأهرامات الثلاثة الكبرى، خوفو (الهرم الأكبر)، وخفرع، ومنقرع، مما يشير إلى الاحتمالية القوية لوجود نظام أو شبكة جوفية معقدة تحت الأرض لثمانية آبار أسطوانية عمودية، يصل عمق كل منها إلى أكثر من 2100 قدم (648 متراً)، مصفوفة في خطوط متوازية، بها ممرات حلزونية تحيط بهذه الآبار، ويُحتمل أنها كانت تُستخدم كنقاط للوصول أو الدخول،غرفتان مكعبتان ضخمتان، يبلغ طول ضلع كل منهما حوالي 80 متراً.
كانت أحاديث دكتور وسيم السيسي الداعمة لهذا الكشف العلمي و ما يماثلها هي السبب الأبرز في البلاغ الذي تقدم به الدكتور زاهي حواس والدكتور الدماطي ضده لمنعه من الظهور الاعلامي الذي تطرقنا اليه في الجزء الاول من هذه السلسلة وهو الصدام الذي يمثل جوهر صراع أهل الحفريات مع أهل الوصاية .

(٢)
من التراث إلى الأنثروبولوجيا: تفكيك مفهوم
الأسطورة

طاف بخاطري وأنا أستمع لطرح الدكتور وسيم السيسي، المؤرخ المصري الشهير (ابن تغري بردي)—وهو أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن الأمير سيف الدين تغري بردي (1410-1470م)—تلميذ ابن حجر والمقريزي، وكتابه الأشهر (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) الذي يعد مرجعاً معتبراً في تاريخ مصر. توجد في هذا الكتاب رواية تاريخية لافتة عن بناء النبي إدريس (عليه السلام) للأهرام، وهي الرواية التي أوردها وتوسع فيها “إضافة وتكميلاً وتأصيلاً” الشيخ النيّل عبد القادر أبو قرون في بحثه الموسوم (بنو إسرائيل في أرض كوش)، الذي صدر بعد بحثه الاول في الموضوع (نبي من بلاد السودان).

و كتب الشيخ النيّل عن هذه الرواية أن إدريس—عليه السلام—استدل من فهمه لحركة الكواكب على قرب وقوع كارثة الطوفان، فبنى الأهرام وأودعها العلوم والركام المعرفي الذي خشي من ضياعه وهلاكه. وأن تلاميذه (الهرامسة) حافظوا على تلك العلوم التي كانت في ذلك الزمان بمثابة (التقنية الحديثة) الضاربة في التطور، إن لم تكن أفضل من تقنيات عصرنا الحالي. وعدد الشيخ شدة اهتمامهم بها واشتغالهم بتطبيقاتها في مناحي الحياة كالطب والمعمار والهندسة والفلك. وكان من هؤلاء الهرامسة علماء أفذاذ مثل (إيمحوتب) الذي بنى الهرم المدرج في سقارة، و(حم إيونو) المهندس صاحب العلم الرفيع الذي بني به الهرم الأكبر بالجيزة، وكلاهما اشتهر بالطب والهندسة والفلك، وتظل أهرامات الجيزة—التي عجز العلم الحديث عن فك لغز كيفية بنائها الهندسي حتى اليوم—شاهداً حياً على عظمة علومهم.

بالطبع، ان كلمة السر عند أهل علم الاثار هي الدليل ، لذا يعتبر علماء الآثار التقليديون وحراس المؤسسات الرسمية أن هذه الروايات، كرواية بن تغري بردي تُعد من قبيل “الأساطير” التاريخية الشائعة في كتب التراث، والتي لا تمت للحقائق الأثرية والعلمية بصلة، ويصرون على أن الأهرامات بُنيت حصراً (كمقابر ملكية) خلال عصر الدولة القديمة.

لكن، على (أهل وصاية العلوم) أن ينتبهوا إلى أن (الأسطورة) لغةً مشتقة من (سَطَرَ)؛ أي كَتَبَ وصَفَّ الكلمات. فالأسطورة في أصلها اللغوي تعني الكتابة أو التدوين والتوثيق، وغالباً ما تبدأ من حدث واقعي أو شخصية تاريخية حقيقية، كملك عظيم أو كارثة طبيعية كبرى كالطوفان. وقبل عصر التدوين المنتظم، كانت هذه القصص الواقعية تنتقل من جيل إلى جيل شفاهةً، ومع مرور الزمن طالتها يد التغيير بعوامل الحذف، أو الإضافة، أو التهويل. بناءً عليه، وفي المنظور العلمي والأنثروبولوجي الحديث، لا تُعتبر الأسطورة كذباً محضاً أو خيالاً فارغاً، بل هي (تاريخ حقيقي طاله التشويه)، وغدت مسؤولية منهج (حفريات المعرفة) الحديثة هي إزالة هذه التشوهات والطبقات المتراكمة، وصولاً إلى الحقيقة المجردة.

(٣)
خاتمة: الإنكار عجز وليس علماً

أختم هذا الجزء من هذه السلسلة في موضوع الأهرام بالخلاصة النادرة للشيخ النيّل أبو قرون في بحثه المذكور أعلاه، والذي أوضح في مقدمته الضافية (منهجيته الترتيلية) في بحوثه شرحاً وتفصيلاً، في أن (العلم) الذي بُنيت به الأهرام في الجيزة هو من قبيل العلم الذي استطاع به (آصف بن برخيا) إحضار عرش بلقيس من سبأ لسليمان عليه السلام في أقل من ارتداد الطرف، مع اشارات عن هذا العلم وأخري عن الطوفان ومكانه، مع الكثير مما يُشكل على الناس اليوم عن هذه الفترة الغامضة من تاريخ البشرية و جغرافيتها واجتهاده في رسم مسرح احداثها .
و زبدة القول لمًا اكتب هنا هي أن الإنكار ليس علماً، بل هو عجز عن العلم ،فالعلم يقتضي الإحاطة، والمنكِر ينفي غيباً لم يحط به علماً. لذا، فالإنكار هو وقوف عند حدود المادة وعجز عن تجاوز نافذة الحس الضيقة، كما أنه ناتج عن الجهل بالامتداد الوجودي، فالإنسان يظن أن ما لا يقع تحت حواسه أو أدواته القياسية غير موجود، وهذا عين الوهم. فالتسليم والاخلاق ( التقوي) هما أساس العلم الحقيقي: العلم بالله وبتجليات البديع المصوِّر يبدأ من حيث ينتهي العقل المادي…
سُئل الشبلي رضي الله عن المعرفة قال: بدايتها الله..
وما نهايتها؟
ما لا انتهاء له..

كاتب و ناشر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى